بدَرْك الحقيقة ولم يضرَّ تقاعد العبارة, فليس كل من يدرك حقيقة شيء تنتظم له عبارة عن حدّه, ولو فرضنا رفض اللغات ودروسَ العبارات لاستقلت العقول بدرك المعقولات, وإيضاح ذلك بالمثال: أن ذا العقل يدرك حقيقة رائحة المسك ولو رام أن يصوغ عبارة عنها لم يجدها" [1] ."
وعلى هذا مشى تلميذه الغزالي [2] رحمه الله, فقد قال في «المستصفى» :"وربما يعسر تحديده على الوجه الحقيقي بعبارة مُحرَّرة جامعة للجنس [3] والفصل [4] الذاتي, فإنا بيّنا أن ذلك عسير في أكثر الأشياء, بل أكثرُ المدرَكات الحسية يتعسر تحديدها, فلو أردنا أن نَحُدَّ رائحة المسك أو طعم العسل لم نقدر عليه وإذا عجزنا عن حد المدركات فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز" [5] .
(1) البرهان في أصول الفقه (1/ 120 - 121) .
(2) أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، الملقب حجة الإسلام زين الدين الطوسي الفقيه الشافعي، لم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله, من كتبه: إحياء علوم الدين, والوجيز في الفقه, توفي سنة (505 هـ) . [وفيات الأعيان لابن خلكان: 4/ 216 - 217]
(3) اصطلاح منطقي, وهو مفهوم كلّي يشتمل على كلّ الماهيّة المشتركة بين متعدّد مختلف في الحقيقة, مثاله: حيوان, فهو كلّي يتناول الإنسان والفرس وسائر الحيوانات, وهذه الأفراد مختلفة في حقيقتها, وإن اشتركت في جزء الماهية وهي الحيوانية, ولذلك يقال على كل منها: حيوان. [ضوابط المعرفة لعبد الرحمن حبنكة: ص 39]
(4) هو مفهوم كلّي يتناول من الماهيّة الجزء الذي يميّز النوع من سائر الأنواع المشاركة له في الجنس, مثاله: ناطق, فهو كلّي يتناول جزء ماهيّة الإنسان, وهذا الجزء هو الذي يميّز النوع الإنساني عن سائر الأنواع. [المصدر السابق: ص 40]
(5) المستصفى في علم الأصول (ص 21) .