أين يمكن أن نجد الموقف الإسلامي بخصوص هذا الموضوع؟ مما سبق من الأدلة نستنتج أن فكرة الدولة الحارسة هي فكرة مستبعدة كلية من المنهج الإسلامي. إن ولي الأمر في التصور الإسلامي منوط به مسؤوليات متعددة، ومنها مسؤوليات اقتصادية. لنعيد النظر من جديد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (( من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم، وخلتهم، وفقرهم، احتجب الله دون حاجته، وخلته، وفقره، يوم القيامة ) ). إن نوع المسؤولية التي يشير إليها هذا الحديث هي مسؤولية اقتصادية. بل إنها تقع في نطاق ما يسميه الاقتصاديون باقتصاديات التنمية، ويجعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولي الأمر مسؤولًا عن وضع خطة اقتصادية للتنمية وللقضاء على التخلف. وهكذا لا تكون الدولة في المجتمع الإسلامي دولة حارسة، وإنما هي دولة عليها مسؤوليات اقتصادية. وكذلك ما يشير إليه قول عمر رضي الله عنه: لو أن شاة عثرت على شاطئ نهر الفرات لسئلت عنها،، وأن المسؤولية التي يلزم عمر نفسه بها، باعتباره حاكمًا للمسلمين، هي مسؤولية اقتصادية. وأيضا رأي الإمام الماوردي: إن من مسؤولية الحاكم عمارة البلدان، باعتماد مصالحها، وتهذيب سبلها ومسالكها، وما يقرره المارودري هنا كأحد مسؤوليات الحاكم الإسلامي يتعلق بالمسؤوليات الاقتصادية.
وهكذا فإن الدولة في المنهج الإسلامي ليست دولة حارسة، وإنما هي دولة عليها مسؤوليات اقتصادية ومن هذه المسؤوليات توجيه أو تخطيط الاستثمار، وسوف تتحدد حدود تدخل الدولة في هذا الأمر بما تحدده مصلحة المسلمين: إذا كان الأمر يعالج بواسطة التدخل غير المباشر، فإن هذا يكفي إسلاميًا، أما إذا كان العلاج لا يكون إلا بالتدخل المباشر، فإن هذا يستلزم إسلاميًا.
ثالثا: يتأسس التصور الإسلامي لتوجيه أو تخطيط الاستثمار على توجيه التنمية بهدف إعادة توزيع الدخل. ويمثل هذا، البعد الثالث في المنهج الإسلامي، لتوجيه أو تخطيط الاستثمار.
لقد اعتمدت في عرض هذا البعد الثالث على كثير من الأدلة الإسلامية.