ويدرس سلوك المحتكرين هنا بنظرية معروفة وهي (نظرية التقارع) أو نظرية اللعب، وما يعنيني وأنا أدرس هذا النوع من الاحتكار هو أن أشير إلى هذا السلوك العدائي، وهذه المواجهة بين المتعاملين في هذا السوق، ومن وجهة نظر الجماعة ككل، يكون مثل هذا السلوك ضارًا بل مدمرًا للمجتمع.
هناك بعد رابع للاحتكار، وهو يمثل أحد أبعاد الاحتكار الأكثر سوء نتائج من وجهة النظر الاجتماعية، ويتعلق هذا البعد بأثر الاحتكار على تحديد الأجر وعلي تحديد كمية العمل المشغلة، حيث يحدد الأجر، بأقل مما ينتج العامل، كما تحدد الكمية المشغلة، بأقل مما يجب أن تشغل إذا لم يكن هناك احتكار.
ما سبق هو باختصار بعض الأبعاد التي تلازم الاحتكار، ونعرف أن الإسلام حرم الاحتكار ومن أدلة هذا التحريم: حديث الرسل صلى الله عليه وسلم،: (الجالب مرزوق، والمحتكر خاطيء) ، وأيضًا الحديث الذي معناه: من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها علي المسلمين فكأنه أخذ قطعة من النار إلى غير ذلك من أدلة تحرم الاحتكار. يشير الحديث الأول إلى معنى اقتصادي في الاحتكار، وهو أثر الاحتكار على حجم أو كمية الإنتاج المعروضة، ذلك أن الحديث يقارن بين جلب السلع إلى الأسواق، وبين الاحتكار، ويعني هذا أن الاحتكار يعمل على تقليل كمية المنتجات، التي تعرض في الأسواق، وهذا هو أحد الأبعاد التي أشرت لها للاحتكار. ويشير الحديث الثاني إلى معنى اقتصادي آخر، وهو أثر الاحتكار، من أن المحتكر يعرض سعرًا أعلى من السعر الحقيقي للسلعة محل الاحتكار، وهكذا نستنتج أن الإسلام حين حرم الاحتكار لم يحرمه للاعتبارات الأخلاقية وحدها، وإنما حرمه أيضًا لأسباب اقتصادية يرتبط بها التحليل الاقتصادي الحديث.
نتساءل الآن عن علاقة تحريم الاحتكار بحق الجماعة الإسلامية في عملية الاستثمار، كأحد الضوابط الحاكمة في هذا المجال، أي بعلاج وضبط الصراع الاجتماعي؟ لو نظر إلى الاحتكار من وجهة نظر شخصية، أي من وجهة نظر المحتكرين، يكتشف أن الاحتكار يحقق للمحتكر منافع اقتصادية، لا يمكن إنكارها، وأقرب أنواع هذه المنافع الأرباح غير العادية التي تتحقق له، لكن من الوجه المقابل إذا نظر إلى الاحتكار من زاوية الجماعية ككل، يكتشف أن الاحتكار يسبب أضرارًا اقتصادية