إلا أن القارئ العادي لهذا الكتاب المهزلة يدرك من أول وهلة مدى التاقض الكبير بين ماجاء فيه من نصوص، وصدق الله العظيم: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} (النساء:82) فأول ما ينبغى التصدي له في هذا الوحى الإبليسىّ هو المشاكل الغبية غباء مزيِّفيه التى لا يمكن العثور على مخرج من أىٍّ منها بل كلما حاول مخترعوه التخلص من بعض ما جرَّتْهم إليه وجدوا أنفسهم يزدادون تورطا، شأن البقرة الغبية التى تحاول الانعتاق من الحبل الملتف حول رقبتها، لكنها بدلا من ذلك تدور في الاتجاه المعاكس فتجده قد ازداد التفافا حتى خنقها وأودى بحياتها. فكيف كان
ذلك؟ هذا ما سنذكره في هذه التناقضات:
-هل يأتي نبي بعد عيسى - عليه السلام -؟
المعروف أولا أن النصارى لا يؤمنون بنبىٍّ بعد المسيح - عليه السلام - لأنهم يَرَوْن أنه قد أنهى فصول المأساة البشرية بموته على الصليب وتكفيره عن الخطيئة البشرية الأولى، وأنه لم يعد هناك مجال لأى شئ إلا لمجيئه في آخر الزمان، هذا المجئ الذى سيكون بداية لألفيَّةٍ سعيدةٍ يعيش فيها الناس في هناءة وسلام، فلا خصومات ولا عداوات حتى ولا بين الحيوانات العجماوات، حتى إن الذئب والحمل - كما يقال - سوف تقوم بينهما صداقة ومودة فيلعبان معا ويأكلان معا في غاية الانسجام والتفاهم! أما اليهود فهم أصلا في انتظار المسيح الأول لا يزالون لأنهم لا يؤمنون بأن عيسى بن مريم هو المسيح الذى أتى ذكره في كتبهم.
وهذا الكتاب - الذى نحن بصدده - ليس هو الكتاب الذى ينتظره اليهود مع مسيحهم المنتظر، فهم يريدون مسيحا من بيت داود يعيد إليهم مجدهم ويبنى لهم مملكتهم، أما كتاب"الضلال المبين"فلا يؤدى إلى هذه الغاية على الإطلاق وصاحب الكتاب كطفل السِّفَاح الذى لا تجرؤ أمه