الترقيق في (مصرَ) يرجع إلى أصله وصلًا فهو منصوب بالفتحة، وتقديم الترقيق في (القطرِ) يرجع إلى أصله وصلًا فهو مجرور بالإضافة وعلامته الكسرة.
ولهذا كله قال الشيخ المرصفي في شأنهما: (التنبيه الثاني: إذا تخلل بين الراء الموقوف عليها وبين الكسر الذي قبلها ساكن حصين ونعني به الصاد والطاء من حروف الاستعلاء وذلك من لفظ {مِّصْرَ} (يوسف: 21) غير المنون حيث وقع في التنزيل ولفظ {القِطْرِ} (سبأ: 12) ففي الراء خلاف بين أهل الأداء. فمنهم من فخم لكون الحاجز حرف استعلاء معتدًّا به ومنهم من رقق ولم يعتد بالحاجز الحصين وجعله كغير الحصين مثل {الشِّعْرَ} (يس: 69) واختار الحافظ ابن الجزري التفخيم في {مِّصْرَ} والترقيق في {القِطْرِ} نظرًا لحال الوصل وعملًا بالأصل أي أن الراء في {مِّصْرَ} مفتوحة في الوصل مفخمة. وفي {القِطْرِ} مكسورة في الوصل مرققة. وهذا هو المعمول عليه والمأخوذ به) [1] .
ثالثًا - اختلافهم في راءات {وَنُذُرِ} و {يَسْرِ} وما شابههما:
اختلف القرَّاء في قراءة الراءات الساكنة للوقف المتحركة في الوصل بالترقيق والتفخيم والأول هو الأرجح والمقدم. وهي الراءات المكسورة التي بعدها ياء محذوفة للتخفيف المنحصرة بكلمة {وَنُذُرِ} في ستة مواضع المسبوقة بالواو في القمر (16 و 18 و 21 و 30 و 37 و 39) ، وكلمة {يَسْرِ} في قوله تعالى: {والليل إِذَا يَسْرِ} من سورة الفجر الآية (4) .
فمن رقق نظر إلى الأصل وهو الياء المحذوفة للتخفيف وأجرى الوقف مجرى الوصل. ومن فخم لم ينظر إلى الأصل ولا إلى الوصل واعتدَّ بالعارض وهو الوقف بسكون الراء وحذف الياء ولفتح ما قبل الراء في {يَسرِ} ولضمه في {ونُذُرِ} إذ كل هذا موجب للتفخيم.
ومعلوم أن القارئ يعقوب البصري (رحمه الله) أثبت الياء فيهما وصلًا ووقفًا وبهذا فإنه يقرأ بترقيق الراء فيهما فقط.
ويلحق بهذه الراءات في إجراء الوجهين وقفًا مع ترجيح الترقيق في الراء من كلمتي {أَنْ أَسْرِ} في (طه: 77) ، و (الشعراء: 52) ، و {فَأَسْرِ} في (هود: 81) ، و (الحجر: 65) ، و (الدخان: 23) إذ أن بعد الراء فيهما ياء محذوفة للبناء.
قال ابن الجزري: (وَاخْتَلَفُوا فِي: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} هُنَا، وَالْحِجْرِ، وَفِي الدُّخَانِ {فَأَسْرِ بِعِبَادِي} ، وَفِي طه وَالشُّعَرَاءِ {أَنْ أَسْرِ} فَقَرَأَ الْمَدَنِيَّانِ، وَابْنُ كَثِيرٍ بِوَصْلِ الْأَلِفِ فِي الْخَمْسَةِ وَيَكْسِرُونَ النُّونَ مِنْ(أَنْ) لِلسَّاكِنَيْنِ وَصْلًا وَيَبْتَدِئُونَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مَفْتُوحَةً، وَهُمْ فِي السَّكْتِ وَالْوَقْفِ عَلَى أُصُولِهِمْ) [2] . وتفصيل كلام ابن الجزري بما يأتي:
1. {فَأَسْرِ} في (هود: 81) ، و (الحجر: 65) ، و (الدخان: 23) : قرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير بهمزة وصل فتسقط في حالة الدرج وحينئذ يصير النطق بسين ساكنة بعد الفاء (فاسْرِ) . وقرأها الباقون بهمزة قطع مفتوحة بعد الفاء ويجوز على كلتا القراءتين تفخيم الراء وقرقيها في الوقف.
(1) هداية القاري إلى تجويد كتاب الباري 1/ 131.
(2) النشر في القراءات العشر 2/ 209.