فالضاد العتيقة حرف غريب جدًا، غير موجود حسبما أعرف في لغة من اللغات إلَّا العربية ولذلك كانوا يكنون عن العرب بالناطقين بالضاد، ويغلب على ظني أن النطق العتيق للضاد نطقًا قريبًا منه جدًا عند أهل حضرموت وهو كاللام المطبقة ويظهر أن الأندلسيين كانوا ينطقون الضاد مثل ذلك ولذلك استبدلها الأسبان بالـ (LD) في الكلمات العربية المستعارة في لغتهم مثال ذلك كلمة (القاضي) صارت في الإسبانية (ALCALDE) ومما يدل أيضًا على أن الضاد كانت في نطقها العتيق قريبة من اللام، أن الزمخشري ذكر في كتاب (المفصل) أن بعض العرب كانت تقول: (الطجع) بدل (اضطجع) . ونشأ نطق الضاد عند البدو من نطقها العتيق بتغيير مخرجها من حافة اللسان إلى طرفه ونطقها عند أهل المدن نشأ من هذا النطق البدوي بإعماد طرف اللسان على الفك الأعلى بدل تقريبه منه فقط فصار الحرف بذلك في نطقه شديدًا بعد أن كان رخوًا) [1] .
إن براجستراسر يرى في موسوعته الصوتية أن هذا تطور في النطق بحرف الضاد حسب التغير الحاصل في بنية الشخص العربي، وهي وجهة نظر صائبة في بعض الأحيان عند الكلام في غير القرآن، ولكن الذي يقرأ القرآن الكريم لابد له من تمييز الضاد عن الظاء وعن الدال وعن اللام المطبقة وعن التاء والطاء، ومن خلال تتبعنا لبعض القرَّاء غير المجازين لاسيما بعض أئمة المساجد وجدنا أن الضاد تخرج غير صحيحة بل هو الصوت البديل والأسهل للضاد الحقيقية أو القديمة، ولذلك فإن صوت الضاد الحقيقي ينتج عن قرع حافة اللسان أصول الثنايا العليا من الجهة اليسرى على الأكثر واليمنى على الأقل، وبالتحديد فإن اللسان يقرع أصول ثلاثة من الأسنان هي (الرباعي، والناب، والضاحك) وهي الأسنان الثلاثة التالية للثنايا يمنة، أو يسرة وهنا يظهر حرف الضاد الحقيقي المعروف عند العرب قديمًا وهو يشبه إلى حد ما حرف الضاد الذي ينطق في مصر وبلاد الشام اليوم. ولكن ما يفعله هؤلاء ليس هو الضاد السليمة، لأن الحرف المنطوق اليوم يخرج نتيجة لالتصاق بطن اللسان أو معظمه بالسقف الملاصق لأصول الثنايا فربما خرج ممزوجًا بالدال، أو الطاء، أو اللام، مع أن ما فصله العلماء فيه يعطيه الوضع الأتم.
فهؤلاء يتخالفون عند النطق بالضاد. فالذي يجعله ظاءً مطلقًا فإنه يشارك الظاء في صفاتها كلها ويزيد عليها صفة الاستطالة فلولا هذه الاستطالة واختلاف المخرجين لكانت ظاءً كما يقول بعض العلماء. والذي ينطقه لامًا فإنه قلب الضاد من كونه حرفًا شجريًا إلى حرف ذلقي وشاركه بعض الصفات، ومن نطقه دالًا أو طاءً فإنه قلبه من كونه شجريًا إلى نطعي وكذلك شاركه بعض الصفات التي هي ليست للضاد، وإلى هذا أشار ابن جني (رحمه الله) في كتاب (التنبيه) [2] وغيره من أن بعضًا من العرب من يجعل الضاد ظاءً مطلقًا في جميع كلامهم، ومنهم من لا يوصلها إلى مخرجها بل يخرجها دونه ممزوجة بالطاء المهملة لا يقدرون على غير ذلك ... ومنهم من يخرجها لامًا مفخمة ... إلى غير هذا.
وقد يصعب على القارئ أيضًا إذا أتى بعد الضاد حرف إطباق، فإنه يجب عليه التحفظ بلفظ الضاد لئلا يسبق اللسان إلى ما هو أخف عليه وهو الإدغام كقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ} في (البقرة: 173) وغيرها، وقوله: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} في
(1) انظر: التطور النحوي لبراجستراسر ص 19.
(2) انظر: التمهيد في علم التجويد لابن الجزري ص 82 نقلًا من كتاب التنبيه على شرح مشكلات الحماسة لابن جني.