وقد عُرف أن الضاد التي ينطقها المصريون هي المقابل المطبق أو المفخم للدال، فالدال صوت ينطق بنفس الطريقة التي ينطق بها صوت الضاد، مع فارق واحد، وهو أن مؤخرة اللسان، ترتفع قليلًا في اتجاه الطبق عند نطق الضاد، ولا يحدث مثل ذلك مع الدال.
أما الضاد القديمة، فلا يقابلها شيء من الأصوات؛ إذ يقول سيبويه: (ولولا الإطباق ... لخرجت الضاد من الكلام؛ لأنه ليس شيء من موضعها غيرها) [1] .
وعلى هذا القول؛ فالضاد الحديثة، ليست هي الضاد القديمة، التي كانت عند العرب القدماء، وإنما هي تطور عنها.
ويعضد هذا قول الدكتور إبراهيم أنيس الذي يقول: (يستدل من وصف القدماء لهذا الصوت، على أن الضاد كما وصفها الخليل ومن نحا نحوه، تخالف تلك الضاد التي ننطق بها الآن؛ إذ معها ينفصل العضوان المكونان للنطق انفصالًا بطيئًا نسبيًا، ترتب على أن حل محل الانفجار الفجائي انفجار بطيء، نلحظ معه مرحلة انتقال بين هذا النوع من الأصوات، وما يليه من صوت لين، فإذا نطق بالضاد القديمة، وقد وليتها فتحة مثلًا، أحسسنا بمرحلة انتقال بين الصوتين، تميز فيها كل منهما تميزًا كاملًا هذا إلى أن الضاد، كما وصفها القدماء، كانت تتكون بمرور الهواء بالحنجرة، فيحرك الوترين الصوتيين، ثم يتحذ مجراه في الحلق والفم، غير أن مجراه في الفم جانبي عن يسار الفم عند أكثر الرواة، أو عن يمينه عند بعضهم، أو من كلا الجانبين، كما يستفاد من كلام سيبويه. والذي نستطيع تأكيده هنا، هو أن الضاد القديمة، قد أصابها بعض التطور، حتى صارت إلى ما نعهده لها من نطق في مصر ... ولا يزال العراقيون حتى الآن، وبعض البدو ينطقون بنوع من الضاد، يشبه إلى حد ما الظاء، كما يشبه إلى حد كبير ذلك الوصف، الذي روي لنا عن الضاد القديمة. والذين مارسوا التعليم في بلاد العراق يذكرون، كيف يخلط التلاميذ هناك بين الظاء والضاد. والضاد القديمة -كما أتخيلها- يمكن النطق بها، بأن يبدأ المرء بالضاد الحديثة، ثم ينتهي نطقه بالظاء، فهي إذن مرحلة وسطى، فيها شيء من شدة الضاد الحديثة، وشيء من رخاوة الظاء العربية، ولذلك كان يعدها القدماء من الأصوات الرخوة) [2] .
ويبدو من وصف القدماء لها، ومن تطورها في بعض اللهجات واللغات، أنها كانت لامًا مطبقة، كما يقول (برجستراسر) ، وكما يبدو أنها كان فيها بعض الشبه بالظاء والضاد، وإلَّا ما تطورت في اتجاه كل واحد من هذين الصوتين، في اللهجات العربية الحديثة.
وأما قول الدكتور كمال بشر وما ذهب إليه، من احتمال أن يكون القدماء قد (وصفوا الضاد المولدة، لا الضاد العربية الأصلية) [3] .
ولعل السر في إطلاق لغة الضاد على اللغة العربية، فإنه يكمن في أن هذه الضاد، كانت مشكلة عويصة بالنسبة لمن يريد أن يتعلم العربية من الأعاجم. يقول ابن الجزري: (والضاد انفرد بالاستطالة، وليس في الحروف ما يعسر على اللسان
(1) المصدر نفسه.
(2) الأصوات اللغوية للدكتور إبراهيم أنيس ص 49، وانظر: المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي لرمضان عبد التواب ص 66.
(3) انظر: علم اللغة العام - الأصوات ص 137.