يقول الدكتور إبراهيم أنيس: (لا يخالجنا الآن أدنى شك في أن العرب القدماء كانوا في نطقهم يميزون هذين الصوتين، تمييزًا واضحًا، ولكنهم فيما يبدو، كانوا فريقين: فريق يمثل الكثرة الغالبة، وهؤلاء هم الذين كانوا ينطقون بهما ذلك النطق، الذي وصفه سيبويه. أما الفريق الآخر، فكان يخلط بين الصورتين ... وهذا الخلط الذي وقع في بعض اللهجات المغمورة، إنما كان سببه أن هذين الصوتين - على حسب وصف سيبويه لهما - يشتركان في بعض النواحي الصوتية، أو بعبارة أخرى، كان وقعهما في الآذان متشابهًا. ولعل مما يستأنس به لهذا التشابه بين الصوتين في النطق القديم، وقوعهما في فاصلتين متواليتين من فواصل القرآن الكريم [1] ، مثل ما جاء في قوله تعالى: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} (فصلت: 50 - 51) [2] .
ولعل هذا الخلط بين صوتي الضاد والظاء، قد شاع في القرن الثالث الهجري، وكان هذا هو السر فيما ذهب إليه أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، اللغوي المشهور (ت 231 هـ) من أنه يجوز عند العرب، أن يعاقبوا بين الضاد والظاء، فقد روى ابن خلكان، أن ابن الأعرابي كان يقول: (جائز في كلام العرب أن يعاقبوا بين الضاد والظاء، فلا يخطئ من يجعل هذه في موضع هذه وينشد: إلى الله أشكو من خليل أوده ... ثلاث خصال كلها لي غائض بالضاد بدل غائظ، ويقول: هكذا سمعته من فصحاء العرب) [3] .
ويقول ابن جني في سر صناعة الإعراب إن ذلك ليس من باب المعاقبة، وإنما هي مادة أخرى: (ويجوز عندي أن يكون غائض غير بدل. ولكنه من غاضه، أي نقصه، فيكون معناه: ينقصني ويتهضمني) [4] .
وفي نهاية هذا المبحث نقول أن الأمر يستند إلى أصليين مهمين لأجل المحافظة على نطق الضاد كما نزل بها القرآن الكريم وهما:
الأول: أن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لا زالت كما هي، وذلك لأن القرآن ورد إلينا بالتواتر والنقل، ولا زال غضًا طريًا كما نزل. لهذا يستلزم على جميع القرَّاء الإعتماد على شيوخ القراءات وعلماء التجويد المجازين بأخذ لفظ الضاد منهم، وهذا مطلب عظيم جدًا.
والثاني: أن توزيع الحروف على اللسان العربي لم تكن من قبيل الاجتهاد والرأي، إنما هو منة من الله سبحانه وتعالى، فقد اختلفوا حول أول من تكلم العربية، فقد ورد بسند ضعيف أن الله عز وجل فتق لاهة إسماعيل (عليه السلام) بالعربية، لما
(1) مجلة العرب: معنى القول المأثور لغة الضاد للدكتور إبراهيم أنيس ص 118 و 119.
(2) انظر: التطور النحوي لبراجستراسر ص 11، والكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها لمكي بن أبي طالب 2/ 364، ويرى المفسرون أن المعنى مختلف على القراءتين، فهي بالضاد بمعنى: (بخيل) ، وبالظاء بمعنى: (متهم) . وانظر الكشف في الموضع السابق، وتفسير القرطبي 19/ 242 130، وزينة الفضلاء في الفرق بين الضاد والظاء لأبي البركات بن الأنباري ص 97.
(3) انظر: وفيات الأعيان وأبناء الزمان 3/ 433.
(4) انظر: سر صناعة الإعراب 1/ 222.