لاتحاد المخرج فكان حق المقام الإدغام لأن التجانس يقتضيه، لكن لما كان يترتب على الإدغام ذهاب مزية الميم وهي الغنة أقيم الاخفاء مقامه لبقاء الغنة معه، ولذلك أدغمت الباء المتقدمة على الميم فيها لبقاء تلك المزية.
فأخفاء الميم عند الباء عوض عن الإدغام إن كانت الميم أصلية سواء كانت منقلبة عن نون فهو إخفاء سببه القلب فيكون إخفاء بواسطة القلب، وإخفاء النون عند حروف الاخفاء ليس قائمًا على شيء ولا متسببًا عن شيء فلهذا أسموه حقيقيًا ولا تدغم الميم إلَّا في مثلها فظهر من هذا أن النون سيدة الحروف [1] .
قال الجعبري: (الغنة صفة النون ولو تنوينًا والميم تحركتا أو سكنتا ظاهرتين أو مخفاتين أو مدغمتين) [2] .
وقال المرصفي: (والنون أغن من الميم ويلحق بالنون التنوين) [3] ، وأما عن النون والميم المشددتين، فيقول ابن الجزري: (وأَظْهِرِ الغُنَّةَ مِنْ نُونٍ وَمِنْ مِيْمٍ إِذَا مَا شُدِّدَا وَأَخْفِيَنْ) [4] .
فالمعنى: أن تبالغ في إظهار الغنة الصادرة من النون والميم المشددتين نحو (إنَّ) و (ثمَّ) ، وإنما قدرت المبالغة، لأن الغنة صفة لازمة للنون والميم سواء تحركتا أو سكنتا ظاهرتين أو مخفاتين أو مدغمتين إلَّا أنها في الساكن أكمل من المتحرك وفي المخفي أزيد من المظهر وفي المدغم أوفى من المخفي.
قال الملا علي القاري: (وأما تقييد الشاطبي التنوين والنون والميم مع الغنة حيث سكن ولا إظهار فبيان للحالة التي تصحب الغنة فيها لهذه الحروف لا أن هذه الحروف ليست لازمة للغنة إذ لا تنفك عنها فلذلك قال شرطها أن يكن سواكن وأن يكن مخفيات أو مدغمات فإن كن مظهرات أو متحركات فلا غنة أي ظاهرة لما سبق من أنهما لا يخلوان عنها البتة في كل حالة بجزئه فالعمل في النون للسان) [5] .
وفي الميم للشفتين على ما تقدم وكان يجزئه أن يشترط عدم الإظهار إذ يلزم من ذلك أن يكن سواكن [6] .
ويتفرع من الكلام على النون والميم المشددتين، هل الحرف المشدد حرفان؟ يقول محمد مكي نصر الجريسي: (التشديد لا يستلزم الإدغام إذ بعض الكلمات بها تشديد وليس سببه الإدغام بل هو في أصل وضعه نحو(إنّ) [7] .
وقال الشيخ علي محمد الضباع: (محلها النون الساكنة والتنوين حالة إدغامهما بغنة أو إخفائهما، والنون والميم المشددتان والميم إذا أدغمت في مثلها أو أخفيت عند الباء، والنون أغن من الميم كما في التمهيد. وقال الرضى: في الميم غنة وإن كانت أقل من غنة النون. وقال جماعة من أهل الأداء: النون حرف أغن آصل في الغنة من الميم لقربه من الخيشوم
(1) انظر: اللطائف المحسنة في مباحث الغنة (مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 282 قراءات) .
(2) نهابة القول المفيد في تجويد القرآن المجيد ص 59.
(3) هداية القاري في تجويد كلام الباري ص 177.
(4) المقدمة الجزرية - باب النون والميم المشددتين والميم الساكنة ص 16.
(5) انظر: المنح الفكرية. نقلًا من أرشيف ملتقى أهل التفسير.
(6) انظر: المصدر نفسه.
(7) نهاية القول المفيد في تجويد القرآن المجيد ص 128.