فطنة. إلى أن قال: والنون في النطق له صوتان صوت من الأنف وصوت ثان مخرجه من داخل الخيشوم وهو الذي يفضي إلى الحلقوم) [1] .
ومراد أبي عمرو الداني في (الأرجوزة المنبهة) هو أن الغنة من صفة النون أنها داخلة في بنيتها التركيبية إذ لا تفارقها مظهرة ولا مدغمة.
وقال مكي بن أبي طالب في (الرعاية) في ذكر النون: (وهي متوسطة القوة، وفيها إذا سكنت غنة تخرج من الخياشيم، فذلك مما يزيد في قوتها، والخفيفة منها مخرجها من الخياشيم من غير مخرج المتحركة) [2] .
وذهب الصفاقسي إلى عدم ترددها بين مخرجين قال: (لأنها - أي: النون المخفاة - لا تخرج عن كونها نونًا، ولم تقع بين مخرجين، وإنما تنتقل إلى مخرج آخر، وهو الخيشوم، وقد عُدَّ من السبعة عشر مخرجًا، ولو قلنا بهذا، لورد علينا الواو والياء المديَّتان؛ لأنهما ينتقلان عن مخرج المتحركتين إلى مخرجٍ آخر) [3] .
وكلام الصفاقسي ورد به أكثر من تعليل، أما قوله: (ولم تقع بين مخرجين) ، فمسلَّم به، ولكن في المقابل تتولد من حرفين، فإن قيل: كيف تتولَّد من حرفين ولا تتردد بين مخرجين؟، لأن الحرف الذي تفرعت منه، يخرج من مخرجين، ولو خرجت منهما، لكانت عين أصلها، فلما خرجت من أحدهما، كانت كالمتفرعة منه.
أما قوله: (وإنما تنتقل إلى مخرج آخر، وهو الخيشوم، وقد عُدَّ من السبعة عشر مخرجًا) ، ففيه تعليلين:
الأول: انتقال مخرجها، وهذا غير صحيح؛ لأن النون المخفاة لم تنتقل من مخرجها إلى مخرج الخيشوم، بل الحاصل أنها تخلت عن أحد مخارجها، وهو طرف اللسان، فكان اعتمادها على أحد مخارجها الأصلية، ولا يعد هذا انتقالًا.
والثاني: وهو أن الخيشوم أحد المخارج السبعة عشرة الأصلية، وهذا يدل على أنها حرف أصلي، وليس فرعيًا.
وكون خروجها من الخيشوم، لا يكون مسوغًا لعدم فرعيتها؛ لأن الخيشوم مخرج فرعي، وألحقوه بالمخارج الأصول بخلاف بقية المخارج الفرعية؛ لكونه مخرجًا قائمًا بذاته، فألحقوه نظرًا لوصفه، لا لحروفه [4] .
الفرق بين النون المخفاة والغنة:
قال المرعشي في (جهد المقل) : (إن قلت: ما الفرق بين النون المخفاة وبين الغنة. قلت: هما متحدتان ذاتًا مختلفتان اعتبارًا، لأن كلًا منهما وإن كان صوتًا خارجًا من الخيشوم لكن ذلك الصوت صفة في الأصل للنون والميم الساكنتين المظهرتين كما في(عن) و (لم) ويسمى حينئذ غنة وقد تخفى النون الساكنة، ومعناه أن تعدم ذاتها وتبقى صفتها التي هي الغنة كما في (عنك) وسميت الغنة الباقية من النون نونًا مخفاة وبالجملة أن الغنة تطلق لغة على الصوت الخارج من الخيشوم سواء قام بالحرفين المذكورين أو قام بنفسه، وفي اصطلاح أهل الأداء تختص بما قام بالحرفين، وإن قلت: الصفة كيف تقوم بنفسها قلت: الغنة لها مخرج غير مخرج موصوفها ولذا أمكن التلفظ بها وحدها بخلاف سائر الصفات، وإن قلت: قد ظهر
(1) انظر: شرح ابن بري لوحة 205، والدر النثير 3/ 137.
(2) الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة ص 193.
(3) تنبيه الغافلين وإرشاد الغافلين ص 20.
(4) انظر: موقع الألوكة - الحروف الفرعية: أحمد نجاح محمد.