ويعني بالإشمام هنا إلى أنه يشير إلى حركة الرفع والخفض في حال الإدغام، ليدل على أن الحرف المدغم يستحق هذه الحركة في حال الإظهار حرصًا عل البيان، وذلك متعذر في الميم مع الميم، وفي الباء مع الباء، من أجل إطباق الشفتين فيهما، وأما الميم مع الباء فهي مخفاة لا مدغمة، والشفتان ينطبقان أيضًا معهما [1] .
وهذا نص صريح وواضح لا يحتمل التأويل وهو حجة على من يتعصب بترك الفرجة في الميم من غير دليل.
ومن الذين قالوا بالإطباق أيضًا أبو عمرو الداني في كتابه (التحديد في الإتقان والتجويد) كما تقدم وقال: (وبالأول أقول) [2] .
فالنص يشير إلى أن المذهب الأول هو الإخفاء الذي صرحوا فيه بإطباق الشفتين على الميم المخفاة.
وأما ما جاء في (التيسير في القراءات السبع) للإمام أبي عمرو الداني عند حديثه عن الإدغام الكبير للسوسي إذا أدغم الميم في الباء كما في قوله تعالى: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} (العلق: 4) ، {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} (النساء: 141) - ومعلوم أن إدغامه هنا هو إخفاء شفوي - لا روم عنده معللًا ذلك بقوله: (من أجل انطباق الشفتين) [3] ، وهذا نص صريح أيضًا بإطباق الشفتين عند ملاقاة الباء.
وقال الداني في (الأرجوزة المنبهة) : القول في الغنة والنون والميم:
(واعلم هداك الله أن الغنة ... من صيغة النون فكن ذا فطنة
والميم فيها غنة كالنون ... لذاك ما تُختص بالتبيين
عند المُقارب لها في المخرج ... فاستعملن بيانها بلا حرج
والنون في النطق لها صوتان ... صوتٌ من الفم وصوت ثان
مخرجه من داخل الخيشوم ... وهو الذي يفضي إلى الحلقوم
تجدُ هذا الصوت إن أمسكتا ... بالأنف محصورًا متى نطقتا
بالنون إن أردت فاختبره ... وبالذي ذكرتُ فاعتبره
ذكرَ ذا النحويُّ سيبويهِ ... مفسرًا فاعتمدن عليه
وزعم الأخفش أن الغنة ... هم بلفظ النون فاعلمنه
عند ادّغام النون في الحروف ... كالرَّوم والإشمام في الوقوف
وزعم النحاةُ منهم قطرب ... بأن لفظ الميم ليس يذهب
ومخرج النون يزول عنها ... فدل أن الميم أقوى منها)
(1) المصدر نفسه.
(2) التحديد في الإتقان والتجويد ص 169.
(3) التيسير في القراءات السبع ص 29.