فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 244

ومن المصرحين أيضًا من القدماء بالإطباق أبو جعفر ابن الباذش قال: (قال لي أبي ... المعول عليه إظهار الميم عند الفاء والواو والباء، ولا يتجه إخفاؤهن عندهن إلَّا بأن يزال مخرجها من الشفة، ويبقي مخرجها من الخيشوم كما يفعل ذلك في النون المخفاة. وإنما ذكر سيبويه الإخفاء في النون ولا ينبغي أن تحمل الميم على النون في هذا لأن النون هي الداخلة على الميم في البدل في قولهم(شنباء) و (عنبر) و {صُمٌ بُكْمٌ} فحمل الميم عليها غير متجه؛ لأن للنون تصرفًا ليس للميم ألا ترى أنها تدغم ويدغم فيها، والميم يدغم فيها ولا تدغم، إلَّا أن يريد القائلون بالإخفاء: انطباق الشفتين على الحرفين انطباقًا واحدًا فذلك ممكن في الباء وحدها نحو (أكرم بزيد) ، فأما في الفاء والواو فغير ممكن فيهما الإخفاء إلَّا بإزالة مخرج الميم من الشفتين، وقد تقدم امتناع ذلك، فإن أرادوا بالإخفاء أن يكون الإظهار رفيقًا غير عنيف فقد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في تسميته إظهارًا أو إخفاءً، ولا تأثير لذلك. وأما الإدغام المحض فلا وجه له .... وقال لي: ما ذُكر عن الفرَّاء من إخفاء النون عند الباء فوجه ذلك سمي البدل إخفاء كما سمي الإدغام في موضع آخر من كتابه إخفاء. فيرجع الخلاف إلى العبارة لا إلى المعنى؛ إذ الإخفاء الصحيح في هذا الموضع لم يستعمله أحد من المتقدمين والمتأخرين في تلاوة ولا حكوه لغة. وكذلك ما ذكر عن ابن مجاهد في إخفاء الميم عند الباء قول متجوز به على سيبويه ... ) [1] .

وقد حقق بعض العلماء وهو الشيخ عبد الحكيم عبد الرزاق بقول ابن الباذش قائلًا [2] : (والميم يدغم فيها ولا تدغم) وهذا النص صريح بإشارة أن الميم لا يتأتى إدغامها في الباء لأنها تدغم ولا يدغم فيها، وردًا على من ادعى أن إطباق الشفتين قبل الباء يسمى إدغامًا فإذا انتفى الإدغام تعين الإخفاء أو الإظهار وكلاهما صحيح مقروء به ووجهه الإخفاء مع إطباق الشفتين مقدم.

مناقشة قول والد ابن الباذش:

ولمناقشة قول والد ابن الباذش (رحمه الله) : ( ... المعول عليه إظهار الميم عند الفاء والواو والباء) . فقد ذكر إظهار الميم عند الحروف الثلاثة (الفاء، والواو، والباء) فهل يشك أحد أنه يعني بذلك الإظهار المحض - أي بغير غنة - في هذه الثلاثة ومنها الباء؟ بل لم يكتف بذلك وعضّد أخذه بالإظهار المحض بقوله: (وإنما ذكر سيبويه الإخفاء في النون ولا ينبغي أن تحمل الميم على النون في هذا) . فسيبويه لم يذكر إخفاء الميم عند الباء لأن مذهبه الإظهار كما أخذ به ابن الباذش وغيره.

وقال أيضًا: (وكذلك ما ذكر عن ابن مجاهد في إخفاء الميم عند الباء قول متجوَّز به على سيبويه) فهو يردُّ نقل ابن مجاهد ويؤكد قول سيبويه، وعليه فالإخفاء بالفعل ليس مذهبًا لسيبويه. ثم أن ابن الباذش أخذ في تبيان هل أن الإخفاء يقرأ بالإطباق أم بالفرجة حيث قال: (إلَّا أن يريد القائلون بالإخفاء انطباق الشفتين على الحرفين انطباقًا واحدًا فذلك ممكن في الباء وحدها نحو(أكرم بزيد) .. ). فهذا النص يتأول فيه ابن الباذش كلمة الإخفاء محاولًا تقريب الألفاظ، ومعنى كلامه: إذا كان مقصد القائلين بالإطباق انطباق الشفتين على الميم والحرف الذي بعده. أي حروف (بوف) انطباقًا

(1) انظر: الإقناع في القراءات السبع 1/ 64 وما بعدها.

(2) انظر: ملتقى أهل التفسير؛ هل الداني أخذ بالإظهار في الميم الساكنة مع الباء؟ لعبد الحكيم عبد الرزاق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت