فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 244

واحدًا فهذا ممكن في الباء وحدها؛ لأن الإطباق الملاصق للحرفين لا يكون إلَّا في الباء وحدها، أما الفاء والواو ستجد أنك إن نطقت بالميم ثم تفرج شفتيك عند الواو والفاء لأنهما بهما فرجة عند النطق نحو {بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ} (البقرة: 15) ، و {لَكُمْ فِيه} (القلم: 38) . فلن تجد فيهما الإطباق التام في الحرفين بين الميم والواو، أو بين الميم والفاء، مثل الذي تجده في الباء نحو {يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ} (آل عمران: 101) والفرق واضح جليّ.

وأما قرائتها؛ فالميم في حالة الإظهار منطبقة الشفتين وكذا الباء فتلحظ انطباقًا واحدًا على الحرفين، وهذا لا يتحقق مع الفاء والواو لحدوث انفراجهما في الشفتين بالنسبة لهما كما سبق، فهو يقصد (على الحرفين انطباقًا واحدًا) الانطباق التام بين الميم والباء، وكيفيته أن يخرج الميم والباء بانطباق واحد، فلو أطلقوا على هذا الوضع إخفاء فيرجع الخلاف إلى العبارة لا إلى المعنى، وهذا موافق لقوله في حكم الإظهار: (وقال لي أبو الحسن بن شريح فيه بالإظهار، ولفظ لي به فأطبق شفتيه على الحرفين إطباقًا واحدًا) ولاحظ أنه ذكر الانطباق على الحرفين أي الميم والباء معًا، أما في حالة الإخفاء فلا يكون الانطباق إلَّا على حرف الميم أولًا لأنك تصبر عليها بقدر زمن الغنة ثم تنتقل لإطباق الباء، فلا يعقل أن تغن الميم وتكون مطبقًا على الباء أيضًا في آن واحد كما هو الحال في حكم إظهار الميم!!، فهو يقول: (إلَّا أن يريد القائلون بالإخفاء) ، ثم يعلل بقوله: (انطباق الشفتين على الحرفين انطباقًا واحدًا) واستخدم لفظ (الحرفين) وليس الميم فقط، وعند نقله الإظهار المحض عن أبي الحسن بن شريح قال: (فأطبق شفتيه على الحرفين إطباقًا واحدًا) استخدم لفظ (الحرفين) أيضًا، وكذا استخدم عبارة (إطباقًا واحدًا) ففي الإظهار والإخفاء استخدم عبارة واحدة. فهل يقصد بذلك معنيين مختلفين؟ أو يقصد بذلك طريقة واحدة والاختلاف فقط في مسمى الحكم؟ وقوله: (عنيف فقد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في تسميته إظهارًا أو إخفاء، ولا تأثير لذلك .. ) وكذا قوله: (فيرجع الخلاف إلى العبارة لا إلى المعني) .

والإخفاء الصحيح فسره في مقدمة كلامه بقوله: (ولا يتجه إخفاؤهن عندهن إلَّا بأن يزال مخرجها من الشفة) وكلمة (يزال مخرجها) يقصد به الميم المخفاة، وهذا هو الإخفاء الصحيح في حالة إطلاق لفظ إخفاء الميم، فمن قال بالإخفاء لا بد من إزالة المخرج، ومن أبقى على انطباق الشفتين يقصد به الإظهار المحض لا غير.

فابن الباذش يقصد بالإظهار الإخفاء لقوله: (فإن أرادوا بالإخفاء أن يكون الإظهار رفيقًا غير عنيف فقد اتفقوا على المعنى، واختلفوا في تسميته إظهارًا أو إخفاءً، ولا تأثير لذلك) .

وقال الإمام الشاطبي في باب إدغام الحروف المتقاربة عند أبي عمرو وهو يسكن الحرف المتحرك ثم يدغمه فيما بعده بما يسمى بالإدغام الكبير. (وتسكن عنه الميم من قبل بائها .... على إثر تحريك فتخفى تنزلا) [1] ، قال الإمام أبو شامة في إبراز المعاني: (وقوله على إثر تحريك أي تكون الميم بعد محرك نحو: {آدَمَ بِالْحَقّ} (المائدة: 27) ، {بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} (الأنعام: 53) ، {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} (العلق: 4) ، {حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} (غافر: 48) ، والمصنفون في التعبير عن هذا مختلفون فمنهم من يعبر عنه بالإدغام كما يطلق على ما يفعل بالنون الساكنة والتنوين عند الواو والياء أنه إدغام وإن بقي لكل

(1) إبراز المعاني من حرز الأماني ص 97. رقم البيت (151) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت