واحد منهما غنة، كما يبقى الإطباق في الحرف المطبق إذا أدغم، ومنهم من بعبر عنه بالإخفاء لوجود الغنة وهي صفة لازمة للميم فلم يكن إدغامًا محضا .... ) [1] .
وهذا نص واضح وفيه إشارة إلى أن المصنفين قديمًا كان يسمونه بالإدغام الناقص بدلًا من الإخفاء.
وأما قول ابن الجزري في (النشر في القراءات العشر) عند كلامه عن الإدغام الكبير للسوسي. قال ما نصه: (ثم إن الآخذين بالإشارة عن أبي عمرو أجمعوا على استثناء الميم عند مثلها وعند الباء وعلى استثناء الباء عند مثلها وعند الميم قالوا: لأن الإشارة تتعذر في ذلك من أجل انطباق الشفتين .... ) [2] .
ولو رجعنا إلى كلامه في التمهيد، إذ لا توجد أي إشارة بترك الفرجة بين الشفتين قال: (الإقلاب، وقد تقدم الكلام على معناه، فإذا أتى بعد النون الساكنة والتنوين باء قلبت ميمًا، من غير إدغام، وذلك نحو: {أَنْ بُورِكَ} (النمل: 8) ، {أَنْبِئْهُمْ} (البقرة: 33) {جُدَدٌ بِيضٌ} (فاطر: 27) والغنة ظاهرة في هذا القسم. وعلة ذلك أن الميم مؤاخية للنون في الغنة والجهر، ومشاركة للباء في المخرج، فلما وقعت النون قبل الباء، ولم يمكن إدغامها فيها، لبعد المخرجين، ولا أن تكون ظاهرة لشبهها بأخت الباء وهي الميم، أبدلت منها لمؤاخاتها النون والباء) [3] .
وقال الملا علي القاري في (المنح الفكرية شرح المقدمة الجزرية) : (وقلب النونين - النون والتنوين - ميمًا عند ملاقاتهما الباء كما قال الشاطبي وقلبهما ميمًا لدى الباء حال كونها مقرونة بغنة كما هو شأن الميم الساكنة عند الباء من إخفائها لديها مع الغنة كما سبق عن أجلاء أرباب القراءة في نحو قوله: {وَهُمْ بِرَبِّهِمْ} (الأنعام: 150) {أَنْبِئْهُمْ} (البقرة: 33) {أَنْ بُورِكَ} (النمل: 8) و {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (لقمان: 23) ووجه القلب عسر الإتيان بالغنة في النون والتنوين مع إظهارهما ثم إطباق الشفتين لأجل الباء، ولم يدغم لاختلاف نوع المخرج وقلة التناسب، فتعين الإخفاء. ويتوصل إليه بالقلب ميمًا لتشاركه الباء مخرجًا والنون غنة) [4] .
وقول الشيخ ملا علي القاري ليس فيه أدنى شك إلى ترك فرجة عند إخفاء الميم مع الباء، فلو كان التلقي قديمًا بالفرجة في صوت الميم الساكنة لصرحوا به ولتوافرت النصوص على بيانها.
وقال أبو الحسن النوري الصفاقسي ما نصه: (وأما القلب فعند حرف واحد وهو الباء نحو {انْبَعَثَ} (الشمس: 12) {أَنْ بُورِكَ} (النمل: 8) {صُمٌّ بُكْمٌ} (البقرة: 18) فيقلبان ميمًا خالصة مع الغنة فهو في الحقيقة إخفاء الميم المقَلوبة لأجل الباء قال في النشر فلا فرق حينئذ في اللفظ بين أن {أَنْ بُورِكَ} (النمل: 8) و {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّه} (آل عمران: 101) .. ) [5] .
(1) انظر: إبراز المعاني من حرز الأماني ص 97.
(2) النشر في علم القراءات العشر 1/ 297.
(3) التمهيد في علم التجويد ص 157.
(4) المنح الفكرية شرح المقدمة الجزرية ص 48.
(5) تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عما يقع لهم من الخطأ حال تلاوتهم لكتاب الله المبين ص 41.