الفصل الأول
الإعلام وأثره في السلوك
لن أدخل في المفاهيم المدرسية (الأكاديمية) للإعلام وتعاريفه، والتي يُمكن إيجازها بما يلي:"الإعلام عملية نَشْر الحقائق والأخبار الصادقة؛ خدمة للصالح العام، وإن هذه العملية تتَّسِم بالأمانة والموضوعيَّة، وهدفها النمو واليقظة والتوافق الثقافي والحضاري، والارتقاء بمستوى الرأي العام بتنويره وتثقيفه".
هذه المفاهيم هي التي يتعلَّمها الطلبة في الجامعات، ولكن هل هذا هو واقع الإعلام اليوم؟
هل الإعلام في دول الشرق والغرب له هذه المفاهيم، ويتَّسِم بهذه السمات، ويهدف إلى هذه الأهداف؟
هل الإعلام الأمريكي والشيوعي والأوروبي له هذه المفاهيم؟
هل الإعلام في الأنظمة الاستبدادية القمعية، العسكرية منها وغير العسكرية، يقول الصدق، ويتَّسِم بالأمانة والموضوعية؟
هذه الأسئلة يعرف جوابَها كلُّ مسلم واعٍ؛ لأنه اكتوى بنارها، ووصَله شررها وشرُّها، وأنها لم تُحقِّق ولا نقطة واحدة من مفهوم الإعلام المذكور آنفًا؛ لأن وسائل الإعلام المختلفة لدول الشرق والغرب - وهذا ما سنعرفه مفصَّلًا - انقلبت إلى وسائل دعاية لا وسائل إعلام، استخدمت الكذبَ والخداع والتلميع للباطل، والتعتيم على الحق، والكيد والحرب النفسيَّة ضد الأشخاص والجماعات، وتقوم بكل هذا وهي تَلبَس ثوب الصديق الناصح، التقدمي العلمي الموضوعي، المحب للجميع، والشر كل الشر تحت ثيابها الناعمة اللينة، وصدق الشاعر:
إنَّ الأفاعي وإن لانتْ ملامسُها = عند التقلُّب في أنيابِها العَطَبُ
فهل يعي المسلم ما يدور حوله، وما يُدبَّر له، من خطط إعلامية وغير إعلامية، ودسائس ومكر في الليل والنهار؟ والغاية من ذلك كله تدمير دينه وأخلاقه؛ ليتحوَّل بعد ذلك إلى إنسان فارغ، فيملأه الأعداء بكل ما لدَيهم من الإلحاد، والفساد والتحلُّل من كلِّ قيمة أخلاقية، فيُصبِح إنسانًا مهزومًا روحيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا، فيَسهُل التغلب عليه، بعد أن ألقى سلاح الإيمان الذي به انتصر أجداده من قبل، وهذا هو واقع أكثر المسلمين اليوم، الذين ندعو الله لهم بالوعي واليقظة والعودة إلى دينهم لردِّ كيد أعدائهم.
ومما لا ريب فيه أن الإعلام اليوم من أخطر وسائل التأثير في الأفراد سلوكيًّا وفكريًّا؛ وذلك بعد أن تطوَّرت وسائله المطبوعة والمسموعة والمرئية، وأصبح إعلامًا جماهيريًّا، يوجه إلى الملايين من الأناسي في وقت واحد، بعد أن كان الاتصال الشخصي أو الاتصال بمجموعات صغيرة هو السائدَ في القرن الماضي وما قبله.