وحتى نعرف الأسس الفكرية والعقدية (الأيديولوجية) للإعلام المعاصر؛ لا بد أن نُلقي نظرة على المدارس الإعلاميَّة المختلفة، والدول التي تتبنَّى هذه المدارس أساسًا وتطبيقًا.
أخذت بهذه النظرية كلُّ الدول (الديمقراطية) (بالمفهوم الأوروبي والأمريكي) ، وذلك بعد الثورات التي قامت في أوروبا من أجل حرية العقيدة وحرية الفكر، إلا أن جذور هذه النظرية تمتد إلى المذهب الاقتصادي الحر (دَعْه يعمل، دَعْه يمر) ، وإلى المذهب السياسي الحر (حرية تكوين الأحزاب، وحرية التعبير) .
فقد أفرزتْ هذه الجذور أسس نظرية الحرية الإعلامية، التي تتكوَّن عناصرها من:
1 -حرية النشر مكفولة للجميع.
2 -مِلكيَّة وسائل الإعلام للأفراد والمؤسَّسات والهيئات.
3 -الرقابة غير موجودة.
4 -المسؤول عن هذه الوسائل هو المالك الذي يقوم بالتمويل.
هذه فكرة موجَزة عن نظرية الحرية في الإعلام.
والواقع أن الحرية فطريَّة في الإنسان، فالإنسان يولد حرًّا، وقولة عمر - رضي الله عنه:"متى استعبدتم الناس، وقد ولدتْهم أمهاتهم أحرارًا؟!"، كانت قبْل الثورات في أوروبا بمئات السنين، بل إن الحرية لفظ وُجد مع وجود البشرية منذ آدم - عليه السلام.
ونسأل الآن:
-هل حرية النشر مكفولة للبناء والهدم معًا؟
-وهل تُسمَّى في حالة الهدم حرية؟
-ما دَور المالك لوسائل الإعلام، وما قيمة تسلُّطه عليها؟
-أليس الهدف الأساس لوسائل الإعلام عند أصحاب هذه النظرية هو الربح؟ فأين القيم التربوية والروحية؟
فمفهوم الحرية عند أصحاب هذه النظرية يُغاير مفهوم الحرية في الإسلام؛ فالحرية في الإسلام غير مطلَقة، وإلا أصبحت الدنيا فوضى، وفشا الظلم، وفسدت الأخلاق.
فالحرية في الإسلام حدودها بين التقييد والإطلاق؛ أي: لا ضرر ولا ضِرار، وهذا هو المفهوم الذي بيَّنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الشريف: (( مَثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمَثل قوم استَهَموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استَقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم،