ومِن الصور أيضًا: الدعاية بالأعمال الرمزية كما تدعى الآن، وممَّا هو معروف أن للعمل مغزًى أبلغ من الكلمات أحيانًا، وكمثال على هذا النوع من الدعاية ما جرى قبيل فتح مكة، حينما أمَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بإيقاد عشرة آلاف نارٍ على مشارفِ مكة، ورُؤيتها مِن قِبَل أبي سفيان والمشركين، ودخول الرهبة في نفوسِهم؛ إذ إن كثرة النيران ترمُز إلى كثرة الجيش المسلم المقاتل، بالإضافة إلى حبسِ أبي سُفيان بعد أن قُبض عليه من قِبَل المسلمين خارج مكة، ورؤيته كتائب الإسلام تَمُرُّ أمامه، وكان ذلك بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لابن عباس: (( احبس أبا سفيان عند خطم الجبل؛ حتى يَنظُر إلى المسلمين ) )؛ فهذه الأعمال الرمزيَّة فعَلَت فِعلها في أبي سفيان؛ إذ عندما أُطلِق سراحه، جاء قومه صارخًا بأعلى صوته:"يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبل لكم به"؛ (ارجع إلى السيرة النبوية؛ لابن هشام 1: 22) .
وكانت وسيلة المُسلمين في ذلك الاتصال الشخصي؛ لعدم توافُر وسائل الإعلام الموجودة اليوم، وغاية المسلمين في ذلك: التخذيل بينهم وإضعافُهم؛ حتى لا يكونوا يدًا واحدةً ضدَّ المسلمين، وقصة نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب معروفة في السِّيرة؛ إذ استَطاع أن يُفرِّق بين قريش وبني قريظة بإرشاد رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له بعد أن جاءه مُسلمًا، ولم يعلم قومه بإسلامه: (( إنما أنتَ فينا رجل واحد، فخذِّل عنا إن استطعتَ، فإن الحرب خَدْعة ) )؛ (البداية والنهاية؛ لابن كثير 4: 111، وحديث:(( الحرب خدعة ) )رواه البُخاري).
وهي مِن أفتكِ أسلحة الحرب النفسيَّة؛ لما لها مِن خاصية الانتشار السريع، واستخدامُ الشائعة يحتاج إلى حُنكة وذكاء لبثِّ الرعب في قلوب الأعداء، يَذكُر لنا التاريخ أن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - استخدم الشائعة في حربه النفسيَّة مع الروم قبل وقعة اليرموك؛ إذ إن ماهان - قائد الروم - طلب خالدًا ليَبرُز إليه فيما بين الصفَّين، فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال ماهان:"إنا قد علِمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فهلمُّوا إلى أنْ أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوةً وطعامًا وتَرجِعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المُقبِل بعثْنا لكم بمثلها، فقال خالد: إنه لم يُخرِجنا من بلادنا ما ذكرتَ، غير أنا قوم نشرَبُ الدِّماء، وأنه بلَغَنا أنه لا دمَ أطيبُ مِن دم الروم؛ فجئنا لذلك، فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نُحدَّث به عن العرب"، وكلمات خالد فعلَت فِعلَها في زرع الخوف في نفوس جيش الروم؛ مما عجَّل انتِصار المسلمين عليهم في وقعة اليرموك؛ (البداية والنهاية؛ لابن كثير) (7: 10) .
وقد علَّم الإسلام المسلمين كيف يتصدَّون للدعاية العدوَّة، ومِن أهمِّ الطرُق التي أرشد إليها الشارع لمقاومة الحرب النفسية العدوَّة: