وفي قَصص الأنبياء نتلمَّس كثيرًا من قصص الحرب النفسية ضدَّ الأنبياء مِن قِبَل الرأي العام الكافر، والملأ الفاجر، ولكن الله - عز وجل - نصَر عباده المؤمنين على القوم الكافرين.
وفي العهد النبوي الشريف، لاقى الرسول - صلى الله عليه وسلم - مِن المُشركين والمنافقين واليهود حربًا لا هوادة فيها ماديًّا ونفسيًّا، من تكذيب ودعاية وشائعات، وإغراء بالمال والمُلك، والتخويف والإرهاب، في مكة أولًا، وفي المدينة ثانيًا.
ففي مكة، كذَّب المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآذَوه ورموه بالشِّعر والسحر والكهانة والجنون، وصوَّر لنا القرآنُ هذه الحملة الدعائية، داعيًا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى عدم الالتِفات لها بصفتها دعايات كاذبة:
{فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} [الطور: 29 - 31] .
{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] .
ولجأت قريش أيضًا إلى أسلوب السخرية، وهو من أساليب الحرب النفسيَّة: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الأنبياء: 36] .
وإلى التشهير والشتم؛ للتقليل من شأن رسول الله، وإظهار ضعْفه أمام الناس، فأطلقَت قريش عليه لقب (الأبتر) لما مات ابنه إبراهيم؛ فنزلت: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 1 - 3] ، وحمَّالة الحطب: (أم جميل) ، كانت تهجو النبي - صلى الله عليه وسلم - وخاصة بعد ما نزل فيها القرآن، فكانت ترتَجِز:
مذمَّمًا عصَينا، وأمرَه أبَيْنا، ودينَه قلَيْنا
فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( ألا تعجَبون لما صرَف الله عني أذى قريش؛ يَسبُّون ويَهجون مذمَّمًا، وأنا محمد! ) ) [1] .
ولجأت قريش أيضًا إلى أسلوب التشويش والتعتيم الإعلامي أيضًا؛ حتى لا تَصِل الحقائق إلى الآخَرين: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] ، ففي قوله تعالى على ألسنة الكفار: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ} [فصلت: 26] التعتيم على القرآن بعدم سماعه وعدم الإنصات إليه؛ حتى لا يؤثِّر فيهِم، وفي قوله تعالى: {وَالْغَوْا فِيهِ} ؛ أي ارفعوا أصواتكم ليَتشوَّش القارئ له، وقال الضحاك في تفسيرها:"أَكثِروا الكلام؛ ليَختلِط عليه ما يقول"؛ كما ورَد في"فتح القدير"في تفسير الآية الآنِفة.
(1) السيرة النبوية؛ لابن هشام (1: 378) رجل مُذمَّم: أي مذموم جدًّا (القاموس المحيط فصل الذال) .