فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 82

ومن باب التأثير على سلوك الأفراد والجَماعات، استخدمت الدعاية على أنها سلاح من أسلحة الحرب النفسيَّة، ومِن هذا المُنطَلَق استُخدمت الدعاية من قبل الأنظمة القمعية في بعض البلاد العربية؛ في محاولة للتأثير على الناس وتشويه الحَقائق، وتلميع الحُكام بالمشاريع الخياليَّة، والإحصاءات الكاذبة، والأعمال البطوليَّة الكاذبة؛ حتى ذاب الجَليد وانكشفَت الحقائق بعد عار النكبَة الذي لحقَ بالعرب في عام 1967 م مِن قِبَل اليهود.

ولعلَّ الإنسان العربي الذي عاصَر إذاعة (صوت العرب) ، ومُعلِّقها المشهور (أحمد سعيد) في الخمسينيات وما بعدها - يُدرِك الدور الذي قامت به بعض الإذاعات العربية مِن تَخدير للعرب والمُسلمين.

ولعلَّ أخطر وظيفة قامت بها كثير من الإذاعات العربية في الفترات الماضية، وما زالت تقوم بها - هي ترويض الإنسان العربي على قَبُول اليهودي بين أركان بيته، أو قَبُول المُجرِم واللصِّ على أنه مِن أفراد الأسرة.

بل إن كثيرًا من الإذاعات العربية (وبغباء شديد) كانت تقوم بالدعاية لليهود، وتُظهِرُهم بمظهَر الدولة الديموقراطية التي تسمَح بقيام المُظاهَرات المعارِضة للحُكم، وبوجود المحاكم العادلة، التي يترافَع فيها المُحامون لتبرئة معارضي الحكم اليهودي من العرب والمسلمين، في الوقت الذي لا يُسمح فيه بأي صوت معارِض أن يُرفَع في دول هذه الإذاعات.

وأخطر وظيفة قامت بها إذاعة عربية هو التنسيق الكامل بينها وبين الإذاعة اليهودية في فلسطين المحتلة عن طريق وسيط؛ وذلك للقضاء على فئة تُعدُّ عدوةً لليهود وللنظام الحاكم المسيطِر على الإذاعة العربية كما جرى عام 1954 م؛ وذلك للقضاء على الحركة الإسلامية في مصر، وعلى سُمعتِها التي ملأت الآفاق ببطولاتها في قناة السويس ضدَّ الإنكليز عام 1951 م، وبطولاتها ضد اليهود في فلسطين عام 1948 م، وذلك باستخدام ما يُسمَّى (الدعاية الرمادية) ، التي عرَّفها بعضُهم (بأنها التشهير بالخصوم عن طريق مدحِهم والثناء عليهم) ، فبدأت الإذاعة اليهودية في فلسطين بتنسيق مع المُخابَرات الأمريكية بمدح الحركة الإسلامية؛ بقصد التشهير بها لدى أنصارِها [1] .

(1) يقول الدكتور محمد صادق في كتابه"الدبلوماسية والميكيافيلية في العلاقات العربية الأمريكية خلال عشرين عامًا 1947 - 1967 م" (ص: 314) مُبينًا أساليب الدعاية ضد الحركة الإسلامية في مصر بعد عام 1954 م:"يظهر أن مهمة التشهير بالإخوان المسلمين التي كانت تقوم بها أجهزة الإعلام الناصري بطريق الدعاية السوداء كانت صعبة جدًّا؛ بسبب ما كانت تتمتَّع به حركة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت من هالة البطولة؛ بسبب أعمالها الفدائية ضد القوات الإنكليزية في القتال، وضد الإسرائيليين في فلسطين قبل ذلك، فضلًا عن مقاومتهم للشيوعية، ولم تجد الدعاية الناصرية"المواد"التي تَستنِد إليها في اتهامهم والتشهير بهم؛ لذلك لجأت إلى نوع آخَر من أنواع الدعاية، وهو (الدعاية الرمادية أو الدعاية السمراء) ، بعد أن استَشارت خبراء في هذا النوع من الدعاية، وفيهم بول لاينبرجر من أكبر خبراء العالم الغربي في الدعاية السوداء والدعاية الرمادية، وهذا الذي علَّم رجال الإعلام الحكومي في مصر كيف يُحطِّمون الشخصيات التي تحيطها الجماهير بالإعجاب والبطولة عن طريق التظاهر بالثناء عليهم .."

يقول مايلز كوبلاند في كتابه"لعبة الأمم" (ص: 156) :"فجأة في عام 1954 م هاجمَت الصحافة الروسية فاشية عبدالناصر، ومدحت"الإخوان المسلمين"باعتبارهم أكبر قوة معادية للإمبريالية في مصر، حينذاك أرسل رئيس المخابرات الأمريكية إلى واشنطن يطلب منها أن تقنع إسرائيل بأن تسير في نفس هذا الخط الذي سارت عليه الدعاية السوفيتية (خط مدح الإخوان المسلمين؛ بقصد التشهير بهم لدى أنصارهم في الرأي العام المصري والعربي) ، على أنه يجب أن تركز (الدعاية الإسرائيلية) على تضخيم قوة الإخوان وقدرتِهم على القضاء على عبدالناصر".

وهكذا يؤكِّد لنا فيه المؤلف أن المخابرات الأمريكية قامت بدور التنسيق والوساطة بين أجهزة الإعلام الحكومي في مصر والإعلام اليهودي"؛ (نقلًا عن رسالة ماجستير لكاتب هذه السطور بعنوان:"الإعلام والحرب النفسية") ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت