قال تعالى- مؤكد التحريم ما أهل به لغيره-: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب} (المائدة: 04) .
قال محمد رشيد رضا مبينا الفرق بين ما أهل به لغير الله وبين ما ذبح لنصب:
"ولا فرق بين ما أهل لغير الله به، وبين ما ذبح على النصب من حيث التحريم، لأنه في جنس ما أهل به لغير الله، من حيث أنه يذبح بقصد العبادة لغير الله تعالى، ولكنه أخص منه، فما أهل به لغير الله قد يكون ذبح لصنم من الأصنام بعيدا عنه، وعن النصب، وما ذبح على النصب لا بد أن يذبح على تلك الحجارة أو عندها، وينشر لحمه عليها" [1] .
فهذه الآيات وغيرها دلت بوضوح على تحريم تناول ما أهل به لغير الله، وهو مما لا خلاف فيه بين الفقهاء في المذاهب الأربعة [2] .
وقال ابن كثير رحمه الله:"ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام، لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنه حرام بالإجماع" [3] .
وأما الحكمة من تحريم ما أهل لغير الله به، فهي مناقضتها لعقيدة التوحيد، والتي تعني: لا معبود بحق الا الله، وكل عمل وجب صرفه لوجهه تعالى، ولما كان الذبح للمعبود غاية الذل والخضوع له، امتنع أن يصرف لغير وجه الله تعالى.
وقد جاء توكيد التحريم بالنهي عن تناول ما ذبح لغير الله ليكون كابحا عن ذلك الفعل الذي هو من عبادة غير الله تعالى، لأن الأكل مما أهل به لغير الله يعتبر مشاركة لأهله فيه، ومشايعة لهم عليه، وهو مما يجب إنكاره، لا إقراره [4] .
وقد حرم الله عز وجل ما أهل به لغيره،"لا لعلة فيه ولكن للتوجه به لغير الله، فحرم لعلة روحية تنافي صحة التصور، وسلامة القلب، وطهارة الروح، وخلوص الضمير، ووحدة المتجه" [5] . و"وقطعا لدابر الشرك، ولان قبح الفعل يسرى في المفعول به" [6] .
(1) -"تفسير المنار"لمحمد رشيد رضا: 6/ 147، طبعة المنار، مصر، سنة: 1324 ه.
(2) - أنظر تفاصيل ذلك في:"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير": 2/ 101، و"الهداية شرح بداية المبتدي"لأبي الحسن المرغيناني: 4/ 64، و"منهج الطلاب"لزكريا الأنصاري: ص: 136.
(3) -"تفسير القرآن العظيم"لابن كثير: 2/ 8.
(4) -"فتح القدير"للشوكاني: 1/ 48.
(5) -"في ظلال القرآن"لسيد قطب: 3/ 50.
(6) -"حجة الله البالغة"لولي الله الدهلوي: (ت 1176 هـ) : 2/ 82، تحقيق السيد سابق، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى سنة: 1426 هـ - 2005 م.