وصفوة القول في ما تقدم أن كل تحريم أو إباحة، قصد الشارع من خلالها حفظ صحة المستهلك، وصون عافيته، وبدنه، وهكذا فكل تحريم شمل الخبيث الضار من المأكل والمشرب، وكل إباحة شملت الطيب النافع منهما.
إن عظمة التشريع الإسلامي تتجلى في أنه تشريع واقعي يلائم أحوال الخلق في كل زمان ومكان، ومن الوسائل التي شرعها الشارع لحفظ الأنفس: إباحة المحظورات في حالة الضرورة إنقاذا لها من الهلاك، ففي الآيات القرآنية المتعددة، التي ذكر الله فيها المحرمات، استثنى عز وجل حالة الإضطرار، فقال تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} (البقرة: 172) .
ويرد المضطر في اللغة على معنيين [1] .
-أحدهما، مكتسب الضرر.
-الثاني: مكتسب دفعه.
وكلا المعنيين موجود في المضطر، فإنه مضطر بما أدركه من ألم الجوع من جهة، ومن جهة أخرى، فهو مضطر بدفعه ذلك عن نفسه بتناول الميتة وغيرها، وهو بالمعنى الأول مشروط، وبالمعنى الثاني مأمور.
وقد اشترط الله عز وجل في المضطر شرطين اثنين كما في الآية السابقة، وقوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} (الأنعام: 146) .
قال ابن العربي رحمه الله: في الشرطين أقوال كثيرة نخبتها اثنان [2] .
1 -أن الباغي في اللغة هو الطالب لخير كان أو لشر، إلا أنه هنا خص بطالب الشر، والعادي هو المجاوز ما يجوز إلى مالا يجوز.
2 -أن الباغي آكل الميتة فوق الحاجة، والعادي: آكلها مع وجود غيرها.
(1) -"أحكام القرآن"لابن العربي: 1/ 71 و 72.
(2) - نفسه: 1/ 73 و 74.