وبناء على ذلك حرم الإسلام كل ضار خبيث من الغذاء، وأباح كل طيب حلال، ومن له دراية بمقاصد الشريعة في الخلق، أدرك أن ما حرم الله تناوله واستهلاكه إنما تعود فائدته على المستهلك، سواء تكشفت له علة التحريم أم خفيت عليه، بل إن كل ما حرمه الله مما يستهلكه الإنسان، كان لأجل خبثه الحسي أو المعنوي، قال تعالى واصفا مهمة رسول عليه السلام: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} (الأعراف: 157) .
قال ابن تيمية:"فأحل النبي صلى الله عليه وسلم الطيبات وحرم الخبائث مثل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، فإنها عادية باغية، فإذا أكلها الناس صار في أخلاقهم شوب من أخلاق هذه البهائم وهو البغي والعدوان، كما حرم الدم المسفوح لأنه مجمع قوى النفس الشهوية الغضبية، وزيادته توجب طغيان هذه القوى" [1] .
والمتتبع لآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي عليه السلام، المحرمة لبعض الأطعمة والأشربة لخبثها، يدرك لا محالة أن كل ما يدخل في الخبائث فهو حرام، وكل ما يدخل في الطيبات فهو حلال، وان كل حرام فهو ضار، وكل حلال فهو نافع.
يقول الغزالي رحمه الله:"ولا يحرم من النبات إلا ما يزيل العقل، أو يزيل الحياة، أو الصحة، وجميع ما يخرج من الأرض لا يحرم أكله إلا من حيث أنه يضر بالآكل، والخبز لو كان مضرا لحرم أكله" [2] .
ويقول أبو محمد بن حزم رحمه الله:"وكل ما أضر فهو حرام، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء" [3] فمن أضر بنفسه، أو بغيره فلم يحسن، ومن لم يحسن، فقد خالف كتاب الله تعالى الإحسان على كل شيء" [4] .
(1) -"مجموع فتاوى ابن تيمية": 17/ 179.
(2) -"إحياء علوم الدين"للغزالي: 2/ 93.
(3) -أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب رقم: 34: الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان: باب رقم: 11: الأمر بإحسان الذبح والقتل، رقمه 5077: 3/ 753. وأخرجه النسائي في سننه: كتاب رقم: 43: الضحايا: باب رقم: 26: حسن الذبح، رقم الحديث: 4413: 3/ 229. واخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب رقم: 27: الذبائح: باب رقم: 03: اذا ذبحتم فاحسنوا الذبح، رقمه: 3170: 2/ 1058. واخرجه الترمذي في سننه: كتاب رقم: 14: الديات: باب رقم: 14: النهي عن المثلة، رقمه: 1409: 4/ 23.و اخرجه البيهقي في:"شعب الايمان": باب رقم: 75: في رحم الصغير وتوقير الكبير، رقمه: 10560: 13/ 416.
(4) -"المحلى"لابن حزم: 7/ 430.