وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم (عبس: 24 - 32) .
إن الغذاء من الدوافع الفطرية التي لا يمكن للمستهلك الإستغناء عنها، لذلك فمنذ أن سكن الإنسان الأرض وهو يسعى بشكل دائم إلى تأمين إحتياجاته من الطعام، والشراب حتى أصبح توفر الغذاء شرطا لازما للإستقرار والأمن، قال تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} (قريش: 3 - 4) .
وقد عنى الإسلام بصحة الغذاء عنايته بالغذاء نفسه، ففي الوقت الذي من المفترض أن يكون الغذاء مصدر الصحة والعافية للمستهلكين، فانه أصبح- في الكثير من الأحيان - مصدر السقم والأمراض، بعد ما تلوثت مصادره، وأصبح هم جل مصنعيه ومنتجيه الربح الوفير، دون اعتبار في العواقب التي تهدد صحة المستهلكين وحياتهم، وبذلك وصلت نسبة التلوث في الغذاء - في عصرنا الحالي- مستويات قياسية، حيت دخلت الهرمونات، والجلود والعظام في طعام الطيور والحيوانات التي نستهلكها، مما تسبب في إصابة العديد من الناس بأمراض لا قبل لهم بها.
فأصبحت السموم تسري في أجساد المستهلكين، من جراء ما يأكلون، وبما أن الإسلام قد أوجب على المسلمين حفظ أجسادهم، وتجنيبها كل ما قد يؤذيها ويلحق الضرر بها تنفيذا لأمره تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} (النساء: 29) . أصبح لزاما على المستهلك أن يتمثل أحكام الشرع فيها أباح وحرم من المأكل والمشرب ... . . وأن يعتني بغذائه، ويحرص على تلبية احتياجات جسمه من جميع العناصر الغذائية المباحة، واجتناب الأغذية الضارة لما لها من سلبيات على صحته وعافيته.
لقد انبنت أحكام الشريعة الإسلامية على جلب المصالح للإنسان، ودفع المفاسد عنه، وهذه القاعدة شملت جميع مجالات حياة الإنسان، بما فيها ما يستهلكه من طعام وشراب، حيث قسم الشارع الغذاء إلى قسمين: حلال وحرام.
إن الشريعة الإسلامية كما اهتمت بتحديد المقاصد والأهداف جاءت بتنظيم الوسائل والأسباب، إذ ان اختيار الوسيلة السليمة من شأنه إتمام الغرض وإكمال الثمرة، وذلك للوصول إلى ما تترجح فيه المصالح على المضار، فإن المصالح المحضة نادرة جدا، لذا اكتفى برجحان المصالح في أمر ما على ما يكتنفه من مضار [1] .
(1) -"قواعد الأحكام في مصالح الأنام"للعز بن عبد السلام: 1/ 104.