إن الله عز وجل خلق الإنسان، وجعله خليفة في الأرض لعمارتها وعبادته تعالى، ولكي ينهض الإنسان بما كلف به سخر الله له الأرض وما عليها، وما فيها، قال تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور} (الملك: 16) .
ولا يستطيع الإنسان- ولا أي كائن حي آخر - من الحياة دون غذاء، فالغذاء أساس حياة الإنسان، ونموه منذ أن كان جنينا في بطن أمه وإلى مماته، فالغذاء يبني الجسم، ويقوي أنسجته وأعضاءه، كما أنه يقوم بتزويد الجسم بالطاقة التي تمكنه من الحركة والنشاط والعمل والسعي في الأرض.
ولما كان حفظ النفس أحد أهم الكليات الخمس، لم يكن مستغربا، اهتمام الإسلام بالوسائل التي تؤدي إلى اكتمال الصحة، وبناء الجسد الإنساني كالإهتمام بالغذاء الكامل والصحي، والأخذ بأسباب الوقاية، والمبادرة إلى سبل العلاج السليمة إذا ما حدث المرض.
إن الناظر في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد الكثير من الآيات والأحاديث تعرضت للغذاء وأهميته في حياة المستهلك، ومن ذلك قوله تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} (البقرة: 231) .
وفي الآية إرشاد من الله للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة [1] ، لما في ذلك من أهمية بالغة على حفظ أجساد الرضع، وصونها من العلل منذ الصغر، وقد اعتبر الطب الحديث أن الرضاعة الطبيعية والكاملة خير وقاية لصحة الأطفال في الصغر والكبر.
وصونا لصحة المستهلك، أمر الله عز وجل الإنسان أن يستهلك الحلال الطيب لمنافعه، وفوائده العظيمة على البدن وعافيته، قال تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} (البقرة: 167) . فالله عز وجل أباح للناس أن يأكلوا مما في الأرض، في حال كونه حلالا من الله طيبا أي مستطابا في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول" [2] ."
بل إن الله عز وجل دعا الإنسان المستهلك إلى التأمل في طعامه لوجوب شكر هذه النعمة، قال تعالى: فلينظر الإنسان إلى طعامه إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا
(1) -"تفسير القرآن العظيم"لابن كثير: 1/ 248.
(2) -"تفسير القرآن العظيم"لابن كثير: 1/ 177.