فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 106

قال ابن حجر:"واختلف في الأمر (فانتشروا) فالأمر على أنه للإباحة، وقال الداودي: هو على الإباحة لمن له كفاف، ولمن لا يطيق التكسب، وعلى الوجوب للقادر الذي لا شيء عنده لئلا يحتاج إلى السؤال وهو محرم عليه، مع القدرة على التصرف" [1] .

وقد استمد محمد بن الحسن الشيباني وجوب الكسب من قوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} (البقرة: 266) . فالأمر للوجوب، ولا يتحقق امتثال الإنفاق إلا بتقدم الكسب عليه، فصار الكسب واجبا لأنه مما لا يتم الواجب إلا به [2] .

وقال سعيد بن المسيب [3] :"لا خير فيمن لا يجمع المال فيكف بها وجهه، ويؤدي به أمانته، ويصل به رحمة". وحكي أنه لما مات ترك دنانير فقال:"اللهم إنك تعلم أني لم أتركها إلى لأصون بها ديني وحسبي" [4] .

وهكذا حفظ الإسلام مال المستهلك من جانب الوجود.

-المطلب الثاني: حفظ المال من جانب العدم.

ويتحقق حفظ المال من هذا الوجه بدرء الفساد الواقع عليه، أو المتوقع عنه، وقد اتخذت الشريعة جملة من التدابير لحفظه من هذا الجانب، منها ما يلي:

لقد حظرت الشريعة الإسلامية جميع صور العدوان على المال، من أي وجه كان هذا العدوان، وعلى أي مقدار من المال، ولو قل، والأصل في ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وانتم تعلمون} (البقرة: 187) .

(1) -"فتح الباري"لابن حجر: 4/ 288 و 289.

(2) -"الكسب"لمحمد بن الحسن الشيباني: ص: 46.

(3) - هو سعيد بن المسيب بن حزن أبي وهب بن عمرو بن عائذ القريشي المخزوني، الإمام العالم، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين من خلافة عمر، توفي سنة: 94 هـ. انظر ترجمته في:"سير أعلام النبلاء"للذهبي: 4/ 217، و"طبقات الحفاظ"للسيوطي: ص: 25.

(4) -"شرح السنة"للبغوي (ت 516 هـ) : 14/ 229، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت الطبعة الثانية، سنة: 1403 هـ - 1983 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت