إن حفظ الدين أهم مقاصد الشريعة الإسلامية ولا يمكن أن يكون هذا المقصد العظيم عرضة للضياع او التحريف أو التبديل .... لأن في ذلك ضياعا للمقاصد الأخرى، وخرابا للدنيا والآخرة، وللإنسان أن يتصور حال أمة ليس عليها سلطان من الدين، كيف يتسلط في القوي على الضعيف، ويستعبد الغني الفقير ... وتتحول الحياة بأسرها إلى جحيم لا يطاق. وقد شبه الله حال الذين فقدوا الدين الحق، فلم يستنيروا بنوره، ولم يهتدوا بهدايته بالأموات، الذين فقدوا الإحساس، والعقل، والتمييز، فقال عز من قائل: {أو من كان ميتا فأحييناه، وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} (الأنعام: 123) .
ولأهمية الدين في حياة الإنسان فقد شرع الله عز وجل له من الوسائل ما يتم حفظه به سواء من جانب الوجود، كالعمل بتشريعاته، والحكم بأحكامه، والدعوة إليه، والجهاد في سبيله، أو من جانب العدم بدرء ما به ينعدم أو يحرف، وذلك برد كل ما يخالفه من الأهواء والبدع [1] .
إن مراعاة أحكام الدين الإسلامي في المعاملات، كفيل بتحقيق أكبر حماية للمستهلك، لأن التزام المتعامل بتعاليم الدين، يجعله لا يقدم على أمر أو تصرف، إلا إذا علم حكم الشرع فيه، فإن كان حلالا أقدم عليه وأمضاه، وإن كان حراما تركه وابتعد عنه.
إن نمط التصرف الاقتصادي في أي مجتمع من المجتمعات، يعكس قيم وأخلاق ومعتقدات هذا المجتمع، وانطلاقا من هذا التصور فإن الإطار المرجعي لنظرية السلوك الاقتصادي في الإسلام يتأسس على ثوابت عقدية، وتشريعية، وأخلاقية، كفيلة بتحقيق أنجع حماية للمستهلكين في النظام الاقتصادي الإسلامي.
إن الدين الإسلامي يحمل من القيم الأخلاقية، والأحكام التشريعية، ما يحمي المستهلك، ويوفر له السلامة والأمن في جميع معاملاته التجارية، وتعاقداته الاستهلاكية، فيقيم مصالحه، ويحفظ حقوقه.
وفضلا عن ذلك فإن نظرة الدين لحماية المستهلك تتسم بالشمول والتكامل، حيث ضمت جميع التدابير اللازمة، والإجراءات الحاسمة، والكفيلة بتحقيق الحماية المطلقة له، حيث تنوعت هذه التدابير بين ما هو وقائي، وتشريعي، وزجري، رعاية لمصالح المستهلك، وضمان حقوقه الأساسية والمحافظة عليها.
(1) - راجع بتفصيل وسائل حفظ الدين من جانب الوجود والعدم في:"الموافقات"للشاطبي: 4/ 27.