فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 106

وقد انصبت التدابير الوقائية على الحماية القبلية للمستهلك، من خلال منظومة القيم والأخلاق التي حث عليها الإسلام، وأمر المسلمين بالتخلق بها كالصدق في المعاملات، واجتناب سائر التصرفات التي قد تسيء إلى المستهلك، وتمس مصالحه كالغش، والخداع، والتدليس، والتزوير والكذب، والنفاق ....

إن المنظومة الأخلاقية في الإسلام - خاصة منها ما يتعلق بالمال والاقتصاد - تعتبر خير حماية للمستهلكين، فهي التي توفر للمسلم رقابة ذاتية، تمنعه من كل سوء وشر، وتدفعه إلى كل خير ونفع، وثمة فرق كبير بين من يمتنع عن الغش أو التدليس أو التطفيف في الميزان .... وغير ذلك من الجرائم الاقتصادية، خوفا من أن تطاله يد العدالة والقانون، وتنزل به عقوبة دنيوية، وبين من يتمنع عن هذه الممارسات المحرمة خوفا من الله عز وجل، وإشفاقا من العقوبة الأخروية المترتبة عليها يوم القيامة.

ولم تكتف الشريعة الإسلامية بهذه التدابير الوقائية لحماية المستهلكين، ولكنها ألزمت المسلم- في المجال المالي والاقتصادي - بثروة تشريعية ضخمة، مقصدها الأساس هو حماية المستهلك ورعاية مصالحه، من خلال ترشيد المعاملات المالية والاقتصادية، حيث حرم الشارع جميع العقود التي تمس حقوق المستهلك وتضيعها كعقود الغبن والغرر والتدليس .... كما حرم الشارع كافة أنواع البيوع التي تنتهك مصالحه كبيع النجش، وبيع التصرية، وبيع المعدوم .... .

ولما علم الشارع أن فطرة الإنسان ميالة إلى حب المال وجمعه، وأن ما شرعه، قد لا يستجيب له فئة من الناس، استولى عليهم الطمع والجشع، وأعمى حب المال بصائرهم، شرع الله عز وجل تدابير زجرية،"فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، فكان المحتسب والقاضي في هذه التدابير الزجرية خير معين للمستهلك على ضمان حقوقه، ورعاية مصالحه، من خلال حمايته من كل الخروقات والمخالفات، ومعاقبة التجار والمنتجين الغشاشين والمخادعين.

ولكن الطامة الكبرى، والدال العضال الذي أصيب به الإنسان، وكدر حياته على الأرض هو فصل الدين عن الدنيا، فإقصاء الدين عن الحياة ومجالاتها إحلال للأهواء، والمصالح الشخصية محل دين الله وأحكامه، وأي فساد عريض يترتب على ذلك. فعلة المدنية الحاضرة، وداؤها العضال أنها دست سموم الأثرة، والشح، وعبادة النفس في شرايين المجتمع وعروقه، فأصبح ضميره لا يؤمن إلا بالفائدة الشخصية، والنفع العاجل، فالإنسان إذا كان تاجرا أقام السوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت