لم تتفق كلمة الفقهاء على وضع معنى واحد للمال، وإنما تباينت آراؤهم، واختلفت أنظارهم في بيان المراد من المال، فمنهم من عرفه بصفته، ومنهم من عرفه بوظيفته، وعباراتهم وإن اختلفت في ظاهرها، فإنها تقاربت في معانيها، ولم تبتعد كثيرا في دلالاتها، لذا تجدني مضطرا لعرض آراء الفقهاء من المذاهب الأربعة في بيان المراد من المال في الإصطلاح الفقهي.
-المطلب 1: تعريف المالكية:
إن معيار المال عند المالكية هو: التملك والاستبداد، فكل ما يملكه الإنسان ويستبد به فهو مال، وقد صرح بذلك الإمام الشاطبي بقوله:"المال ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره، إذا أخذه من وجهه" [1] .
ويؤكد الإمام القرطبي هذا التعريف للمال بقوله:"العلم محيط، واللسان شاهد، بأن ما تملك يسمى مالا" [2] .
والتعريفين السابقين يعرفان المال انطلاقا من كونه محل الملك، والملك الذي هو في حقيقته اختصاص، لا يتعلق إلا بما له قيمة بين الناس، وإلا فلا معنى للاختصاص به، فأساس المالية هو العلاقة التي تقوم بين الناس والشيء، وذلك لحاجة الانتفاع به من وجوه المنافع المشروعة.
-المطلب الثاني: تعريف الحنفية:
عرف الإمام السرخسي المال بقوله:"والمال اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، ولكن باعتبار صفة التمول، والتمول صيانة الشيء، وادخاره لوقت الحاجة" [3] .
والمال بهذا الاعتبار ما اشتمل على صفة التمول، وكان قابلا للادخار واستخدامه وقت الحاجة، فما كان قابلا للحفظ وتتوفر فيه صفة الإحراز فهو مال عند الحنفية.
وقد ذكر ابن عابدين تعريفا آخر للمال فقال:"هو ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة" [4] .
(1) -"الموافقات"للشاطبي: 2/ 32.
(2) -"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي: 4/ 246، راجعه وضبطه الدكتور محمد إبراهيم الحفناوي، وخرج أحاديثه الدكتور محمود حامد عثمان، طبعة دار الحديث القاهرة، الطبعة الأولى سنة: 1411 هـ/1994 م.
(3) -"المبسوط"للسرخسي: 11/ 79، مطبعة دار السعادة، مصر، سنة: 1324 هـ.
(4) -"حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار"لابن عابدين: 4/ 510، مطبعة البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية سنة: 1386 ه - 1966 م.