القاعدة الثالثة
يجب إبقاء المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل
وهذه القاعدة أيضًا مهمة لفهم قاعدتنا التي نحن بصدد بيانها، فأقول: إن هناك أشياء قولية أو فعلية، قد أطلقت في الشريعة، فيكون الأصل بقاء إطلاقها، ومن قيدها بشيء معين فإن هذا القيد لا يقبل إلا إذا جاء بما يؤيده من البرهان الساطع والدليل القاطع، وإلا فلا قبول لكلامه، لأنه مخالف للأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل، فالعبادة المطلقة عن الزمان، يجب بقاؤها مطلقة عن الزمان، فمن قيدها بزمان معين فعليه الدليل. والعبادات المطلقة عن المكان يجب بقاؤها مطلقة عن المكان، فمن قيدها بمكانٍ معين فعليه الدليل. والعبادات المطلقة عن السبب يجب بقاؤها مطلقة عن السبب، فمن قيدها بسببٍ معين فعليه الدليل. والعبادات المطلقة عن الشروط يجب بقاؤها مطلقة عن الشروط، فمن قيدها بشرط فعليه الدليل. والعبادات المطلقة عن المقدار يجب بقاؤها مطلقة عن المقدار، فمن قيدها بمقدار معين فعله الدليل. والعبادات المطلقة عن الصفة يجب بقاؤها مطلقة عن الصفة، فمن قيدها بصفة معينة فعليه الدليل.
وتعليل ذلك هو أن الأصل وجوب بقاء المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل، ولأن القيد شيء زائد على الأصل وهذا القدر الزائد لابد له من دليل آخر، ولأن هذا القيد مما يقصد به التعبد والأصل في العبادات الوقف على الدليل، ولأن هذا القيد حكم شرعي والأصل توقيف إثبات الأحكام الشرعية على ورود الأدلة الصحيحة الصريحة، ولأن هذا القيد فيه إعمار للذمة بلزوم اعتقاده والأصل براءة الذمة إلا بدليل، ولأن إثباته مخالف للأصل، ومن ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل، ولأنه ناقل عن الأصل والناقل عن الأصل مطالب بالدليل. وبه تعرف أنه: لا يجوز لأحدٍ أن يحدث في العبادة أي شيء، بل يفعلها على وفق ما جاء به النص بلا زيادة ولا نقص كما سيأتي بيانه - إن شاء الله