(فصل)
بعض الناس - هداه الله تعالى - بعد إقامة الصلاة وقبل التكبير للإحرام تراه يرفع يديه يدعو، فما حكم هذا الفعل؟
أقول: هذا الفعل لنا فيه نظران: نظر باعتبار أصله، ونظر باعتبار وصفه.
فأما أصله فهو دعاء، ولاشك أن الدعاء هو العبادة وأنه سلاح المؤمن وأنه علامة الافتقار والتمسكن لله جل وعلا، ونحن هنا لا ننظر إلى هذا الفعل باعتبار الأصل وإنما النظر إليه بالاعتبار الثاني، وهو اعتقاد نفع الدعاء في هذا الوقت بعينه، فهذا التقييد هو الذي يفتقر في ثبوته للدليل؛ لأن الاستحباب حكم شرعي والمتقرر أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للدليل الصحيح الصريح والأصل في العبادات الإطلاق فمن اعتقد فضيلة الدعاء في هذا الوقت المخصوص فإنه مطالب بالدليل المثبت لصحة هذه الدعوى، ولا أعلم ذلك ثابتًا في السنة الصحيحة.
نعم ثبت استحباب الدعاء بين الأذان والإقامة كما في حديث أنس مرفوعًا: (( لا يرد الدعاء بين الأذان الإقامة ) )حديث حسن صحيح، ولكن الكلام هنا عن الدعاء بين الإقامة وقبل التكبير، فإذن هذا فعل توفر سببه عل عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله، فإن الصلاة كانت تقام على عهده خمس مرات ولم ينقل عنه أحد بالنقل الثابت أنه كان يدعو، ولو أنه كان مشروعًا لفعله ولو مرة واحدة ليدل الأمة على أنه مشروع، لكنه لم يثبت عنه ذلك ولا مرة واحدة، فيصدق عليه قولنا: (مشروع بالأصل ممنوع بالوصف) أي أن الأصل هو الدعاء وهو في ذاته مشروع والوصف هو تقييده بهذا الوقت بعينه، ونحن نطالب بالدليل على إثبات الوصف لا الأصل لأنه قد تقرر أن شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف،