القاعدة الثانية
الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة
ونعني بالأحكام الشرعية، أي: الوجوب، والتحريم، والندب، والكراهة والإباحة، فإن إثبات شيء من هذه الأحكام وقف على إثبات الشارع، فإن إثباتها حق من حقوقه، وإنما علينا الاتباع لا الابتداع، والاقتفاء لا الابتداء، فلا يجوز ادعاء وجوب أو استحباب شيء من الأقوال أو الأفعال إلا وعليه دليل، ولا يجوز أيضًا ادعاء حرمة أو كراهة شيء إلا وعليه دليل، فالواجب ما أوجبه الله ورسوله، والمندوب ما ندبه الله ورسوله، والمحرم ما حرمه الله ورسوله، والمكروه ما كرهه الله ورسوله، ولأن الأصل عدم هذه الأحكام وقد تقرر في القواعد أن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل، وقد قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} ، وقال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} ، وقال تعالى في سياق المحرمات على ترتيبها في الأعظمية فقال في آخرها: {وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ، فالقول على الله تعالى بلا علم جرم عظيم ومرتع وخيم، وأضف إلى هذا أن العقول لا تستقل بإدراك الشرع على وجه التفصيل، فاحتاجت البشرية إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب لتدلهم على ما يجوز التعبد به لله مما لا يجوز، فلو كانت العقول تستقل بذلك لما احتجنا إلى إرسال الرسل ولا إنزال الكتب.
وبناءً عليه فأقول: إن جميع متعلقات العبادة سواءً في إثبات أصلها أو إثبات صفةٍ أو بعض صفة لها، أو إثبات زمانٍ أو مكان أو شرط أو سبب لها، كل ذلك من جملة الأحكام الشرعية، فلابد من وقفها على إثبات الدليل لها، فما أثبته الدليل من العبادات فهو العبادة، وما أثبته الدليل من الصفات فهو