(فصل)
الفرع السابع
رفع الصوت مع الجنازة بالتكبير والتهليل
وهذا الفعل يفعله من يفعله اعتقادًا منه أنه مما ينفع الميت أو ينتفع به هو، أو أنه نوع إظهار للشجاعة، وأيًّا كان قصد صاحبه فإن لنا في هذا الفعل نظرين: نظر من ناحية أصله، ونظر من ناحية وصفه.
فأما بالنظر الأول: فإنه تكبير وتهليل، فهو نوع ذكر وثناء على الله تعالى فهو من هذه الجهة مشروع، ولكن إيقاعه على هذه الصفة المخصوصة هو الممنوع، فيصدق عليه قولنا: (مشروع بأصله وممنوع بوصفه) ، وقد عرفناك سابقًا أن العبادة لابد من شرعية أصلها ووصفها معًا، وأن شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف، فلا حق لفاعل ذلك أن يستدل بالأدلة المفيدة لمشروعية الذكر؛ لأن الخلاف بيننا ليس هو في ذلك وإنما الخلاف يتطلب دليلًا آخر غير دليل الأصل، ولأن الأصل في الذكر الإطلاق فمن اعتقد أفضليته في مكانٍ معين أو زمانٍ معين فإنه مطالب بالدليل لا على أصل مشروعية الذكر وإنما على هذا القيد الزماني أو المكاني فإنهم يفعلونه مع اعتقادهم أن له فضيلة في هذا الوقت بعينه، فهذا الاعتقاد هو الذي نطلب الدليل عليه، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والسلف الصالح يتبعون جنائزهم إلى المقابر ولم يثبت عن أحدٍ منهم أنه كان يقول معها شيئًا، فهو محدث وبدعة لابد من تركه والحذر والتحذير منه، ولا عبرة بالأعداد الكثيرة التي تفعله فإن الحق لا يعرف بالكثرة، ولا عبرة بسلامة قصد فاعله، فإن سلامة القصد ليست بمسوغة للوقوع في المخالفة ولا مدخل للاستحسان في أمور التعبدات، ولا مدخل للعادات والتقاليد والأعراف القبلية في باب التعبدات، فإن التعبد أمر موقوف على دليل