(فصل)
أقول: اعلم - رحمك الله تعالى - أن تخصيص الميت بالأضحية ليس من السنة، وحديث علي فيها ضعيف جدًا، والأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة، وقد ماتت خديجة أم المؤمنين - رضي الله عنها -، وماتت زينب بنت خزيمة - رضي الله عنها -، ومات حمزة بن عبدالمطلب - رضي الله عنه -، ومات كل أبناء النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم -، ومات كل بناته إلا فاطمة - رضي الله عنها -، ومات ابن عمه جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ومات كثير من الصحابة قبل وفاته - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك لم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -، بل ولا عن أحدٍ من أصحابه - رضي الله عنهم - أنه أفراد الميت بأضحية خاصة كما هو مشهور الآن، وقبل الآن في كثير من البقاع.
والأدلة المثبتة لفضل الأضحية إنما تدل على مشروعيتها أي مشروعية الأصل، لكن من قال هذه الأدلة ومن سمع هذه الأدلة من الصحابة لم يثبت عنهم أنهم ضحوا استقلالًا عن أحدٍ من أمواتهم.
ونحن نقول: إن أدلة الكتاب والسنة لابد أن تفهم فهمًا موافقًا لفهم السلف، فإنهم أكمل الأمة عقولًا وأزكاها فهومًا وأبرها قلوبًا وأعمقها علمًا، فلو كانت التضحية من الميت استقلالًا من الخير لسبقنا إليها السلف ولبينها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته ولشرعها لهم، ومع حرصهم التام على إيصال النفع لأمواتهم فلا ينبغي أن نحيد عن هذا الفهم، فإن الخير كل الخير في فهم الأدلة على فهم السلف، فالسنة إذًا إنما هو تضحية الإنسان عنه وعن أهل بيته، وإذا نوى أنها عن أهل البيت الأحياء والأموات ففضل الله واسع، أما أن يفرد الميت بأضحية، فهذا ليس من السنة، والله أعلم.