(فصل)
الفرع السادس
توزيع الأطعمة في المقبرة على المشيعين
فإنه فعل قد كثر في الآونة الأخيرة في بعض البلاد الإسلامية والعربية، فإذا أنكرنا هذا الفعل قالوا لنا: ألم تسمع إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ... ) )الحديث، فهذا نوع صدقةٍ جارية للميت، ثم يوردون عليك الأدلة الدالة على فضل الصدقة وكبير أجرها وعظيم ثوابها، فإن قالوا ذلك فقل لهم: ونحن نقر بذلك ولا نخرم عنه أبدًا، فهو معتمد عندنا لاشك فيه ولاريب وليس الخلاف بيننا وبينكم في أصل ذلك حتى توردوا علينا الأدلة في ذلك، وإنما الخلاف الذي بيننا وبينكم والذي نطلب له الدليل هو إخراج هذه الصدقة على هذه الصفة المخصوصة في هذا المكان المخصوص، ولا حق لكم أن تستدلوا على ذلك بالأدلة المثبتة للصدقة عن الميت وفضلها؛ لأن دليل الأصل للأصل، ولكن هذا الوصف شيء زائد على الأصل، وهذا القدر الزائد هو الذي نطلب الدليل له، وشرعية الصدقة عن الميت لا تستلزم جواز الصدقة عنه في المقبرة؛ ذلك لأن شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف.
وقد كانت الجنائز تدفن في عهده - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن لا هو - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه يتصدقون عن أحد من موتاهم مع حرصهم الشديد على فعل ما فيه نفع لأمواتهم، وعلى ذلك جرى عمل السلف، فإنهم لم يكونوا يوزعون في المقبرة لا أطعمة ولا أشربة ولا أشياء نقدية ولا عينية، فهذا الفعل محدث، داخل تحت قوله - صلى الله عليه وسلم: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) )، فالصدقة عن الميت في المقبرة، يصدق عليها قولنا: (مشروعة بأصلها ممنوعة بوصفها) .