فإن قلت: ولماذا تذكر ذلك؟ فأقول: لأن الذين يتمسحون بأستار الكعبة وبمقام إبراهيم وبأركان البيت الحرام وأعمدته أو يأخذون من ترابه أو يحرصون على مسح وجوههم وأولادهم بالأيدي بعد مسح شيء من البيت وخصوصًا الحجر الأسود وغير ذلك من الأفعال التي نراها هناك من بعض الجهلة، هذه الأفعال إنما فعلوها لأمرين:
الأول: لتعظيم البيت ويرد هذا قاعدتنا شرعية الأصل لا تستلزم شريعة الوصف.
الثاني: أنهم يطلبون البركة من هذه الأشياء لأنهم يعلمون أن هذه البقعة مباركة، لكنهم لا يعرفون الفرق بين البركتين فظنوا - جهلًا منهم وكسلًا منَّا في تعليمهم - أن البركة هنا بركة ذاتية منتقلة، وهذا ظن خاطئ؛ لأن بركة هذه الأشياء إنما هي بركة معنوية لازمة، أي أنها لا تتعدى محلها، فهذا الجهل بالفرق بين البركتين هو الذي أوجب هذه الأغلاط التي تقررت في نفوس أصحابها وصار نزعها من قلوبهم أمرًا صعبًا، لكن يذهب ذلك بالاستعانة بالله تعالى أولًا، ثم بالإقناع الروحي لا بالتغليظ والحماقة، لأنهم جهال وحق الجاهل أن يؤخذ بالرفق ليرغب في التعليم، ولا نكتفي بهز الرؤوس والحوقلة إذا رأينا مثل هذه الأخطاء، فإن البلاغ أمانة، ولا تقل قد اتسع الخرق على الراقع، فإن هذه كلمة المثبطين الكسالى الذين لا يريدون العمل أصلًا، فاستسلموا للواقع ورفعوا رايات الهزيمة واكتفوا بالإنكار القلبي فقط، فزادت هذه الأفعال وعمت البلوى بها لقلة الناصحين، ونسأله جل وعلا أن يغفر لنا تقصيرنا في العلم والعمل والدعوة، والمقصود أنه لابد أن نفرق بين البركة الذاتية المنتقلة والبركة المعنوية اللازمة، والله أعلم.