سلسلة إتحاف الأماجد بنفائس المنظومات والأراجيز والقصائد
قصيدة ثائية في أسماء المجدِّدين
وأن منهم الحافظ السيوطي جلال الدين
للعلامة بدر الدين الغزي (904 - 984 هـ)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فكنتُ قد نشرت من قبل على شبكة الألوكة أرجوزة: (تحفة المهتدين بأسماء المجددين) ، نظم العلَّامة المجدِّد جلال الدين السيوطي (ت:911 هـ) رحمه الله وطيَّب ثراه، وبعد مدة عثرت على قصيدة ثائية نفيسة ونادرة في نفس الباب للعلامة أبي البركات بدر الدين محمد بن العلامة شيخ الإسلام رضي الدين محمد الغزي العامري الدمشقي الشافعي (ت 984) رحمه الله، وأكرم مثواه، وهو من بيت علم شهير، وأبوه وجده من العلماء النحارير، فوجدته قد عَدَّ ضمن المجددين الحافظ السيوطي رحمه الله، ولعزَّتها وعدم توافرها بين أيدي أهل العلم والباحثين خاصة في تراجم المجدِّدين من العلماء الربَّانيِّين الراسخين، أحببْتُ أن أضبطها وأنشرها؛ ليعم النفع بها، والله الموفِّق والمستعان، وهو حسبي وعليه التكلان.
قال رحمه الله:
وقصيدتي الثائية المثلثة، الجامعة لأسماء مَنْ قيل فيه: إنه من المبعوثين لتجديد دين الأُمَّة في رأس كل قَرْنٍ، وهي هذه:
1 -قد صحَّ في الأخْبارِ أن إلهَنَا
في أوَّلٍ من كُلِّ قَرْنٍ باعِثُ
2 -مَنْ جَدَّد الدِّينَ القويمَ، وقد رأوا
عُمَرَ الخليفةَ أوَّلًا يا حارِثُ
3 -والشافعيَّ برأْسِ قَرْنٍ بَعْدَه ُ
ويُقالُ: إنَّ الأشْعَرِيَّ الثَّالِثُ
4 -والأسْتراباذيُّ قِيلَ ورَجَّحُوا
أن السريجيَّ الإمام الوارِثُ
5 -والإسفراييني مَعْ سَهْلٍ قَضَى
في رابِعٍ فقَضَى بكُلٍّ باحِثُ
6 -ورأيْتُ مَنْ عدَّ الإمامَ الباقِلَا
نيَّ المجَدِّدَ وهْوَ قَولٌ ثالِثُ
7 -والخامسُ: الطوسيُّ [1] حُجَّتنا فَكَمْ
خفِيَتْ بطِيبِ ظُهْورِ ذاك خبائِثُ
8 -والفَخْرُ [2] سادِسُهم، أو الحَبْرُ الإما
مُ الرافعيُّ فَذَاكَ غَيْثٌ غائِثُ [3]
9 -والسَّابِعُ: الشَّيخُ الإمامُ ابنُ دَقِيـ
قِ العِيدِ جَزْمًا فَهْوَ لَيْثٌ لائِثُ
10 -والثامنُ: البلقينيْ قد بَعَثَتْ على
إعطائه هذا المقامَ بواعِثُ
11 -أو أحمد الغزِّيُّ جدِّي فهْو مَنْ
جادَتْ له عِنْدَ الجِدالِ مباحِثُ
12 -أو حافِظُ العَصْرِ العِرَاقيُّ الذي
زالَتْ بنُصْرَتِه الحدِيثَ حَوادِثُ
13 -أما السيوطيُّ الجلالُ فمَنْ يقلْ
هو تاسِعٌ لهمُ فما هو عابِثُ
14 -ولئن حلفْتُ بأنَّه شيخي الإما
مُ الشيخُ زينُ الدينِ ما أنا حانِثُ
15 -فبه أغاثَ اللهُ جُلَّ عِبادِه
فلجا [4] له العافي ولاذ اللاهِثُ [5]
16 -وأظنُّ أنَّ العاشِرَ المهديُّ أوْ
عيسى يجيء بدينِ قَرْنٍ حادِثُ [6]
17 -فالأمْرُ أقْرَبُ ما يكُونُ فَقَدْ بَدَتْ
أشراطُ أُخْرى [7] ، والمسيرُ حثاحثُ
18 -فالعالِمُ المحمودُ مَدْحُورٌ وذو ال
جَهْلِ الظَّلُوم كذِئْبِ سوءٍ عائِثُ
19 -والكِذْبُ فاشٍ والأمانةُ ضُيِّعَتْ
والشرُّ فاشٍ [8] والمُعاهِدُ ناكِثُ
20 -والقَبْضُ للعِلْمِ ابْتَدَا أوَ ما ترى
قبْضَ الأئمة وهْو خطْبٌ كارِثُ
21 -والعلمُ يُرفَعُ إذْ أُهِينَ ورَفْعُهُ
في الأرْضِ إنْ لم يَبْقَ مِنْهُمْ لابِثُ [9]
[1] يعني: الإمام أبا حامد الغزالي صاحب الإحياء (ت 505 هـ) رحمه الله.
[2] الفخر الرازي.
[3] غيث علم وفضل كما لا يخفى
[4] بدون همز لأجل الوزن.
[5] أي: أغاث بعلمه الجهَّال، فهُرِعوا إليه يَنهَلون مِن مَعين علمه، ويرتوون من عذب سلسبيل فقهه، كما لا يخفى أن العلماء بهم حياة العباد، حياة قلوبهم وأرواحهم، وهم سُرُج العباد الذين ينيرونها بعد ظُلْمة الجَهْل.
[6] ولم يصدق ظنه، ولا ظن مَنْ قبله من العلماء في ذلك، والعلم عند الله تعالى، والأمر آتٍ لا محالة، وكل ما هو آتٍ قريب!
[7] بالنقل لأجل الوزن.
[8] في المطبوع: ناش.
[9] يقول هذا في زمنه رحمه الله، فكيف لو رأى ما أحاط بنا من الفتن، وما فشا في أمة الإسلام من البلايا والمحن، واستضعاف العلماء، وتصدُّر الجُهَلاء السقطاء، ونزع البركة من الزمان، وسرعة انقضاء الوقت، وتفشِّي أسباب السخط والمقت؟! وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا به، نسأله العفو والعافية والنجاة والسلامة من جميع الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وحسن الختام.