حفظه الله وأصلحه وأخاه والمسلمين
حمدًا لمن أكرَمَنا وزيَّنَا
بزينةِ الأبناءِ قُرَّةً لنا
أحمدُه جلَّ على ما وهَبا
مِن نعمةِ الأولاد مَنًّا وحَبا
ثمَّ الصلاةُ والسلام السَّرمَدِي
على النبيِّ المُصطَفى مُحمَّدِ
وآلِهِ وصَحبِهِ طُولَ الأبدْ
ما أرشَدَ الوالِدُ للرشْدِ الولَدْ
وبعدُ؛ إنَّ هَذِهِ أُرجوزَةْ
لطيفةٌ طَريفةٌ وَجيزَةْ
سمَّيتُها ب: (زِينَةِ المَمالكِ)
ضَمَّنتُها نُصحَ الحَبيبِ مالكِ [1]
كما نَصحتُ سالفًا لأحمدِ [2]
فالعَدلُ واجبٌ بنصِّ المُسندِ
واللهَ أستعينُ في النَّصيحَةِ
والقَولَةِ البَليغةِ الفَصيحةِ
فصلٌ
اسمَع بُنَيَّ نُصحَ والدٍ مُحبّْ
يَرجو لكَ الخيرَ وكلَّ ما يُحبّْ
قدِّمْ حقوقَ اللهِ دومًا أوَّلا
ولا تَكنْ عن حقِّه مُنشغِلا
واحرِصْ على إرضائهِ جلَّ وعَزّْ
إنْ رضِيَ اللهُ عَنِ العَبدِ أعَزّْ
وكنْ له مُفوِّضًا لأَمرِكَ
مُعتصِمًا بهِ بكلِّ شأْنِكَ
ولا تَخفْ في اللهِ لوْمَ لائمِ
وكُنْ بأَمرِ الحقِّ خيرَ قائمِ
يَكْفِكَ شرَّ كلِّ ذي ضُرٍّ وشَرّْ
فإنَّه مُدَبِّرٌ أمْر البَشرْ
وربُّنا المالكُ للعِبادِ
سُبحانَهُ جلَّ عن الأَندادِ
وراقِبنَّ اللهَ في كلِّ زمَنْ
في السرِّ - يا بُنيَّ - أيضًا والعَلَنْ
فإنَّ ذا يُصلِحُ للسَّرائرِ
مُقوِّمُ الباطِنِ والظَّواهرِ
والسُّنَّةَ السُّنَّةَ كنْ مُلازمًا
لها، وكن متَّبِعًا مُقدِّما
لنْ تُقبلَ الأعمالُ مِن عبدٍ ولنْ
إِلا الذي أخلَصَ معْ قَفْوِ [3] السُّنَنْ
فالاتباعُ صُحبةَ الإِخلاصِ
هُما طريقُ العبدِ للخَلاصِ
ومُخلِصٍ، للمُصطفى لا يتَّبِعْ
أو مُقتفٍ مُشَرِّكٍ [4] لا يَنتفِعْ
والزَمْ بُنيَّ الدرسَ للقرآنِ
معْ حفظه في الصَّدرِ [5] والجَنانِ
فإنه خيرُ الصِّحابِ في الفِتَنْ
وهْوَ رَبيعُ القلبِ يَجلُو لِلحَزَنْ
نعْمَ الدَّليلُ لصَلاحِ المَرءِ
وزاجرٌ عن فِعلِ كلِّ سَوءِ
ومَنبعُ العلومِ والفَوائدِ
ومنهلُ العجائبِ الفَرائدِ
الجنُّ حينَ استَمَعوهُ أنصَتُوا
وأُعجِبوا [6] وانتَفَعُوا وأخبَتُوا
ثم مَضَوا للنَّاسِ يُبْلِغونَهمْ
ما استمَعوهُ مِن جلائلِ الحِكَمْ
فكنْ بهِ مُعتصمًا [7] مُجاهِدا [8]
وكُنْ له مُرتِّلًا مجوِّدا
واحفَظْ حَديثَ المُصطَفى فيهِ الشِّفا
خيرُ الحَديثِ مَعَ قُرآنٍ كَفَى
حتَّى تَكونَ كالإِمامِ مالِكِ
تَنشُرُ نورَ العلمِ في المَمالكِ
لا تَقتصِرْ قطُّ على الرِّوايةِ
واهتمَّ بالفقِهِ وبالدِّرايَةِ
واعمَلْ بما عَلمتَ بالرِّعايَةِ
حتَّى تَصير فيهِما في الغايةِ
ما قيمةُ العِلمِ بغَيرِ العمَلِ؟
فإنَّهُ مَطيَّةٌ للزَّللِ
واقرأْ بُنَيَّ سِيرةَ الأَخيارِ
والنُّبَلاءِ السادةِ الأَبرارِ
فإنَّها مُشعِلةٌ نارَ الِهمَمْ
تحرِّكُ المرءَ إِلى أعلى القِمَمْ
وتكسبُ الحُنْكةَ تَسقِي الحِكمَةْ
تُقرِّبُ البَعيدَ مِن ذِي الأُمَّةْ
وهيَ غِذا العُقولِ والأَلبابِ
ومُتعَةُ الأَحبابِ والأَصحابِ
ولا تُصاحِبنَّ إلا مُؤمِنا
فصُحبَةُ الفاجِرِ شُؤمٌ وعَنَا
دليلُ رُشْدِ المرءِ مَن يَصحَبُهُ
وكلُّ صاحِبٍ له يَسْحَبُهُ
للخَيرِ إنْ كانَ تَقيًّا صالِحا
أَوْ للشُّرورِ إنْ صحبْتَ طالِحا
إياكَ والكبْرَ وغمْصَ الناسِ
فإنَّ ذا مطيَّةُ الإِفلاسِ
والذِّكرُ - يا بنيَّ - زادُ الرُّوحِ
وهْوَ سَبيلُ المَجدِ والفُتوحِ
لا تَغفُلَنْ عنْ ذكْرِ مَولاكَ العَلي
فالغافلُ الشَّيطانُ دومًا يَعتَلي
وبالأخصِّ الذِّكر في الصَّباحِ
وفِي المِسا للفَوزِ بالفَلاحِ
فإنَّها الحصْنُ وخيرُ الحِصْنِ
يَكفيكَ شرَّ الإنسِ ثُمَّ الجنِّ
وراجِعَنْ (قلائدَ الزبَرْجَدِ)
تَجدْ بفَضلِ اللهِ خَيرَ مُرشدِ
أنبتَكَ اللهُ نباتًا صالِحا
ولا عُدِمتَ مُرشِدًا وناصِحا
وقاكَ مَولايَ شرورَ الناسِ
وعُصبَةَ الشيطانِ والخنَّاسِ
وصبَّ مَولايَ عليكَ الخيرَ
صبًّا وأغناكَ، كفاكَ الضُّرَّ
وكنتَ داعيًا على بَصيرَةِ
مُعلِّمًا للحِكمَةِ المُنيرَةِ
وتَنصُرُ الحقَّ وأهلَ الحقِّ
وتَنشُرُ الخيرَ لكلِّ الخَلقِ
تَمشي بنُورٍ وتقولُ النُّورَ
والوجهُ منكَ يُدخلُ السُّرورَ
مُحبَّبًا مُقرَّبًا مودودا
مُمَجَّدًا محفَّدًا مَسعودا
مُبارَكَ الأَنفاسِ والأَلفاظِ
وزِينةَ العُبَّادِ والوُعَّاظِ
يَنتفِعُ المرءُ إذا رآكا
ويَخشَعُ القَلبُ لَدى ذِكراكا
وقاهِرًا للنَّفسِ معْ هَواكا
فمَنْ قَفَا الهَوى رَأى الهَلاكا
ومؤْثِرًا دومًا رِضا مَولاكا
وشاكِرًا للهِ ما أَوْلاكا
مُصدَّرًا بصالِحِ المَجالِسِ
وبَهجةً ومُؤنِسًا للجالِسِ
وآخرُ الدُّعاءِ حمْدُ ربِّنا
ثمَّ الصلاةُ والسَّلامُ أُعلِنا
على نبيِّنا دليلِ السَّالِكِ
مُحذِّرِ الوَرى مِن المَهالِكِ
ما فازَ كلُّ ناصِحٍ وناسِكِ
هَذا تَمامُ (زِينَةِ المَمالِكِ)
نظمتُه بالبَلدَةِ الحَرامِ
والحمدُ للهِ عَلى الإِتمامِ
عِدَّةُ الَابْياتِ كَعُمْرِ المُصطَفَى
وحَسْبُنا اللهُ تَعالى وكَفَى
[1] رزقني الله تعالى به يوم الاثنين 3 من ذي القعدة الحرام، والحمد لله على الإنعام.
[2] ي أرجوزة (قلائد الزبرجَد) ؛ وهي منشورة على الألوكة.
[3] أي: اتباع.
[4] أي: مشرك النيَّة غير مُخلِص لوجه الله وحده.
[5] ? بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ? [العنكبوت: 49] .
[6] ? فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ? [الجن: 1] .
[7] ? وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ? [آل عمران: 103] ؛ قال ابن عباس: حبلُ الله هو القرآن.
[8] ? وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ? [الفرقان: 52] ، الضمير عائد إلى القرآن.