مراثي العلامة جلال الدين السيوطي (849 - 911 ه)
لشيوخه
رحمة الله على الجميع (1)
الحمد لله الحي الذي لا يموت، والصلاة والسلام على نبينا محمد المبعوث بالنور والهدى والرحموت صلى الله عليه وعلى آله الأبرار وصحبه الأخيار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القرار.
وبعد:
فإن فن (المراثي) من فنون الشعر الرائقة ومواضيعه الفائقة لما فيه من كلمات رقيقة و مشاعر صادقة وإنَّ تتبع مراثي العلماء لأشياخهم فيه فوائد جليلة ومقاصد نبيلة منها:
أنها تعتبر من مصادر ترجمة ذلك العالم لما يذكر فيها من أوصاف له أو أسماء بعض تصانيفه تصريحًا أو تلميحًا وأيضا معرفة قدر هذا العالم عند من رثاه، ومعرفة مكانته منه قربًا وبعدًا، وبيان وفائه له بعد موته، وغير ذلك وقد وجدت للعلامة السيوطي رحمه الله عدة مراثٍ لشيوخه الذين توفوا في حياته أوردها في مواضع متفرقة في عدة كتب له، فأحببت أن أجمعها في موضع واحد لأضم النظير إلى نظيره، وهو من مقاصد التصنيف على ما لا يخفى وهو جزء من الديوان الذي جمعت فيه شعر الإمام السيوطي ومنظوماته وسميته: (وارف الظلال في جمع منظومات العلامة الجلال) يسر الله نشره
رثاء شيخه
شيخ الإسلام قاضي القضاة شرف الدين يحيى بن محمد بن محمد بن محمد المناوي ت 871 هـ
قال رحمه الله في حسن المحاضرة:
وهو آخر علماء الشافعية ومحققيهم. وقد رثيته بقولي:
قلت لما مات شيخ العصر حقًا باتفاقِ
حين صار الأمر ما بين جهول وفساقِ
أيها الدنيا لك الويلُ إلى يوم التلاقِ
رثاء شيخه
الشيخ سيف الدين الحنفي محمد بن محمد بن عمر بن قطلوبغا البكتمري العلامة الورع الزاهد العابد ت 881 هـ
قال في حسن المحاضرة:
وهو آخر شيوخي موتًا لم يتأخر بعده أحد ممن أخذت عنه العلم إلا رجل قرأت عليه ورقات من المنهاج. وقلت أرثيه:
مات سيف الدين منفردًا
وغدًا في اللحد منغمدا
عالم الدنيا وصالحها
لم تزل أحواله رشدا
يبكِهِ دين النبي إذا
ما أتاه ملحد كمدا
إنما يبكي على رجلٍ
قد غدا في الخير معتمدا
لم يكن في دينه وهنٌ
لا ولا للكبر منه ردا
عمره أفناه في نصب
لإله العرش مجتهدا
من صلاةٍ أو مطالعة
أو كتاب الله مقتصدا
لا يوافيه لمظلمة
بشرٌ أو مدعٍ فندا
في الذي قد كان من ورعٍ
لم يخلف بعده أحدا
دنت الدنيا لمنصرم
ورحيل الناس قد أفدا
ليت شعري من نؤمله
بعد هذا الحبر ملتحدا!
ثلمة في الدين موتته
ما لها من جابر أبدا
قد روينا ذاك في خبر
وهو موصول لنا سندا
فعليه هامعات رضًا
ومن الغفران سحب ندى
وبعثنا ضمن زمرته
مع أهل الصدق والشهدا
رثاء شيخه الشمني
الشمني الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ المحدث، كمال الدين محمد بن محمد بن حسن التميمي الداري ت 872 هـ
قال في حسن المحاضرة يرثيه:
رزء عظيم به تستنزل العبر
وحادث جل فيه الخطب والغِيَرُ
رزء مصاب جميع المسلمين به
وقلبهم منه مكلوم ومنكسرُ
ما فقدُ شيخ شيوخ المسلمين سوى ان
هدام ركنٍ عظيم ليس ينعمرُ
رزية عظمت بالمسلمين وقد
عمت وطمت فما للقلب مصطبرُ
تبكيه عين أولي الإسلام قاطبة
ويضحك الفاجر المسرور والغمرُ
من قام بالدين في دنياه مجتهدًا
وقام بالعلم لا يألو ويقتصرُ
كل العلوم تناغيه وتنشده
لما قضى: مهَلًا يأيها البشرُ
إذ كان في كل علم آية ظهرت
وما العيان كمن قد جاءه الخبرُ
باع طويل يد علياء مع قدمٍ
لها رسوخ سواها ماله ظفرُ
النقل والعقل حقًا شاهدان رضًا
بأنه فاق من يأتي ومن غبروا
أبان علم أصول الدين متضحًا
وكم جلا شبهًا حارت بها الفكرُ
وفي الكتاب وفي آياته ظهرت
آياته حين يتلوها ويعتبرُ
محقق كامل الآلات مجتهد
وما عسى تبلغ الأبيات والسطرُ!
وفي الحديث أياديه قد انتشرت
آثارها وشذا فياحها العطرُ
قد توج الفقه بالشرح المفيد وقد
حلته بالسيَرا أبحاثه الغررُ
أنعم بنعمان عينًا حين يذكر في
أصحابه الشيخ دامت فوقه الدررُ
يسطو بسيف على الرازيِّ مفتخرًا
لدى الأصول ما في القوم مفتخرُ
كلامه في علوم العرب أجمعها
مغنى اللبيب إذا أعيت به الفكرُ
والنظم في الرتبة العلياء فضلته
بحكيه فيه انسجام القطر والنهرُ
على هدى الأقدمين الغر منهجه
علمًا وقولًا وفعلًا ما به نكرُ
نقي عرضٍ تقي الدين لا دنس
يشينه، لا ولا في شأنه غبرُ
سعى إليه قضاء العصر يخطبه
فرده خائبًا زهدًا به حصرُ
له مكارم أخلاق يسود بها
أكابر العصر إن طالوا وإن فخروا
وجود حاتم يجري من أنامله
لوافديه وإن قلوا وإن كثروا
له فصاحة سحبان وشاهدها
إجماع كل الورى والنص والنظرُ
لو يحلف الخلق بالرحمن أن له
كل المحاسن والإحسان ما فجروا
عم الورى منه علم ماله مددٌ
ومن فوائده ما ليس ينحصرُ
وكل أعيان أهل العصر مرتفع
بالأخذ عنه لعلياء ومفتخرُ
المنهل العذب حقًا للورود فما
عن غيره لهم وِرد ولا صدَرُ
شيخ الشيوخ ولا أوحشت من سكن
ولا عفا ل ربع زانه الخفرُ
حياتك الحق في الدارين ثابتة
ما العالمون بأموات وإن قبروا
قطعت عمرك إما ناشرًا لهدىً
أو نافعًا لفتًى قد مسه الضررُ
غرست دوحة علم للورى فهم
من مستظل ومن دانٍ له الثمرُ
وكم قصدت إلى إيضاح مشكلة
أو حل معضلة طارت بها الشررُ
ولم تشنك ولايات القضاء فلا
تراع من حاسب يحصى ويختبرُ
ومن يكن عمره التقوى بضاعته
فلا يخاف، ونعم العمر والعمرُ
حزت العلا في الورى علمًا ومنقبه
سوى الذي لك عند الله مدخرُ
أبشر بروحٍ وريحان ودار رضًا
ورحمة وصفاء ما به كدرُ
أبشر وبشراك صدق ما بها ريب
كما بها يشهد التنزيل والأثرُ
يثني عليك جميعُ الخلق قاطبةً
إن الثناء على هذا لمعتبرُ
يذكر الموت قرب الانتقال وما
كمثل موتِ تقي الدين مدكرُ
فالله يخلفه في نسله كرمًا
والله أعظم من يرجى وينتظرُ
والله يقضي بإسراع اللحوق فما
للقلب بعد هداة الدين مصطبرُ
دهر عجيب يطم السمع منكره
وما به للهدى عونٌ ولا وزرُ
وكل وقت ترى الأخيار قد أفلت
ضل الورى فلهم في غيهم سكرُ
هم الألى تشرق الدنيا ببهجتها
لا شمسها وأبو إسحاق والقمرُ
وإن تكن أعين الإسلام ذاهبةً
تترى، فعمَّا قليلٍ يذهب الأثرُ
.... يتبع بإذن الله تعالى