فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 148

مر النسيم إلى ابن عبدالكريم

رسالة في ذم المنطق

للعلامة جلال الدين السيوطي تـ 911 هـ رحمه الله

(تنشر لأول مرة ولله الحمد)

الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.

من الفقير إلى الله تعالى عبدالرحمن بن أبي بكر محمد بن أبي بكر السيوطي عفا الله عنه، آمين.

إلى الشيخ الإمام العالم العلَّامة المحقِّق المدقق الآمر بالمعروف النَّاهي عن المنكر تاج الدين أبي الفضل محمد بن عبدالكريم التلمساني [1] ، أدام الله لي وله التوفيق، وأذاقني وإياه حلاوة التحقيق:

سلامٌ عليك، أما بعد؛ فإنِّي أحمد اللهَ إليك الذي لا إله إلا هو، وأصلِّي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

قد وقفتُ على الأبيات التي نَظمتُها وتعجبتَ فيها منِّي؛ حيث ألفتُ كتابًا في ذم المنطق ونهيتُ عن الاشتغال به، وهي هذه:

سمعتُ بأمر ما سمعت بمثله

وكلُّ حديثٍ حكمُه حكمُ أصلهِ

وددتُ وربِّ العرش [2] أنيَ حاضرٌ

وإن لم فودي أن أجيء لأهلهِ

أيمكن أن المرء في العلم حجةٌ

وينهى عن الفُرقان في بعض قولِهِ

هل المنطقُ المعنيُّ إلا عبارةٌ

عن الحقِّ أو تحقيقه عند جهلهِ

فعاينْه في كلِّ الكلام فهل ترى

دليلًا صحيحًا لا يُردُّ لشكلهِ

أريني - هداك الله - منه قضيةً

على غير هذا نَنفِها عن محلهِ

فدعْ عنك"أبداه كفور"وذمَّهُ

رجالٌ وإن أثبتَّ صحة نقلِهِ

خذ الحقَّ حتى من [3] كفورٍ، ولا تُقمْ

دليلًا على شخصٍ بمذهبِ شكلِهِ [4]

عرفناهمُ بالحقِّ لا العكس فاستبنْ

به لا بهمْ إذ همْ هداةٌ لأجلهِ

لئن صحَّ عنهم ما ذكرت فكم همُ

وكم عالمٍ بالشَّرع باح بفضلهِ

فكلٌّ عنى [5] ما يَنبغي لكلامهِ

وهذا هو التحقيق فارجع لعدلهِ

وإلا فَهَتْ برهانَ تضليلِ بعضهم

على منهجٍ ينجيك من سهمِ نبلهِ

والجواب:

أنَّ العمدة في ذلك الحديثُ النبوي، وهو ما رواه ابن عبدالبر في كتاب (العلم) [6] من حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم ... فذكر حديثًا، وفيه: (( ومِن العلماء مَن يضمُّ كلامَ اليهود والنصارى إلى علمه ليغزّرَ به علمه، فذلك في الدرك الخامس من النار ... ) )؛ الحديث.

دلَّ هذا على ذمِّ أخذ علمٍ أبداه كفور، فلا آخذ [7] الحق حتى من كفور، ولا يقال أنَّا أقمنا دليلًا على شخص بمذهب مثله، إنما أقمنا عليه دليلًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صحَّت الأحاديث من طُرق أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرَّ على صديق له من اليهود، فكتب له جُمَلًا من التوراة في لوح، فجاء بها إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فعرضها عليه، وقال: يا رسول الله، نُزاد بها علمًا إلى علمنا، فغضب النَّبي صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، وقال: (( أمُتَهوِّكون [8] فيها يا بن الخطاب؟ والله لو كان موسى حيًّا لَمَا وسعه فيها إلا اتِّباعي ) )، وفي بعض طرق الحديث زيادة: فأنزل الله في ذلك: ? أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ? الآية [العنكبوت: 51] .

قال بعض العلماء في تقرير الاستدلال بهذا الحديث على تحريم المنطق:

فإذا لم يوسعه عذرًا في الكتاب الذي جاء به موسى هدًى ونورًا، فما ظنُّك بما وضعه المتخبطون من كفَّار اليونان إفكًا وزورًا؟!

وهَبْ أنه ليس فيه باطل؛ البابُ باب اتباع، وقد يكون نهى عنه تعبُّدًا، وقد عُرف من الشريعة النَّهي عن التزيي بزيِّ الأعاجم واقتفاء آثارهم، وإيثار مخالفة [9] أهل الكتاب فيما كانوا عليه.

وهل يشك أحد أنَّ الجمل التي جاء بها عمر في اللوح من الحقِّ الذي يبدل، ومع ذلك لم يرضَ به النَّبي صلى الله عليه وسلم، بل منَعه منعًا مطلقًا، ولم يفصِّل بين مبدَّل وغيره، وتركُ الاستفصال في وقائع الأحوال، يُنزَّلُ منزلة العُموم في المقال.

ورد أن عبدالله بن سلَام استأذن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في قراءة التوراة، فأنزل الله في ذلك: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [البقرة: 208، 209] .

لا جرم نص الإمام أبو عمر بن عبدالبر وغيره من أئمَّة الحديث قديمًا وحديثًا على تحريم الاشتغال بالمنطق؛ محتجِّين بهذه الأحاديث ونحوها.

وسبق ابنَ عبدالبر إلى ذلك الإمامُ الكبير أبو محمد بن أبي زيد صاحب (الرسالة) ، الذي كان يُقال له: مالك العصر.

وسبقهما إلى ذلك إمامُنا الإمام الشَّافعي رضي الله عنه؛ لأنَّه أول ما حدث في زمانه حين أُحضر من خزانة [10] اليونان من جزيرة قبرص [11] دمَّرها الله.

وتبعه على ذلك من [12] أئمَّة الدين الجم الغفير.

وإطلاق الشيخ [13] - أيَّده الله - لفظةَ الفرقان عليه، كان الأولى خلافه؛ لأنَّ الفرقان من أسماء القرآن الكريم، فكان يَنبغي صونه عن إطلاقه على عِلم من علوم اليونان، وقد قلتُ نظمًا:

حمدتُ إلهَ العرش شكرًا لفضلهِ

وأُهدي صلاةً للنبي وأهلهِ

عجبتُ لنظمٍ ما سمعتُ بمثله

أتانيَ عن حبرٍ أُقرُّ بنُبلهِ

تعجَّب منِّي حيث ألَّفتُ مبدعًا

كتابًا جموعًا فيه جمٌّ بنقلهِ

أقرِّر فيه النَّهيَ عن علمِ منطقٍ

وما قاله الأعلامُ من ذمِّ شكلهِ

وسمَّاه بالفرقان يا ليت لم يقلْ

فذا وصفُ قرآنٍ كريمٍ لفضلهِ

وقال به فيما يقرِّر رأيَه

مقالًا عجيبًا نائيًا عن محلِّهِ

ودعْ عنك أبداه كفورٌ وبعدها

خذ الحقَّ حتى من كفورٍ بختْلهِ

وقد جاءتِ الآثار في ذمِّ مَن حوى

علومَ يهودٍ أو نصارى لأجلهِ

يغزّرْ به علمًا لديه وإنهُ

يُعذَّبُ تعذيبًا يليق بفعلهِ

وقد مَنع المختارُ فاروقَ صحبهِ [14]

وقد خطَّ لوحًا [15] بعض توراة أهلهِ

وكم جاء من نهيِ اتباعٍ لكافرٍ

وإن كان ذاك الأمر حقًّا بأصلهِ

أقمتُ دليلًا بالحديث ولم أُقِمْ

دليلًا على شخصٍ بمذهب مثلهِ

سلامٌ على هذا الإمام فكم لهُ

لديَّ ثناءٌ واعتراف بفضلهِ!

تمَّ ذلك، والحمد لله وحده، وحسبنا الله ونِعم الوكيل ونِعم المولى ونِعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

نسخة أخرى

[1] وصفه العلامة شمس الدين الداودي بقوله: عالم المملكة التكرورية.

[2] في نسخة: البيت.

[3] في نسخة: عن.

[4] في نسخة: مثلهِ.

[5] في نسخة: على.

[6] واسمه: جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله.

[7] في نسخة: ولأخذ.

[8] في الحاشية: أي: متحيرون.

[9] في نسخة: مخالفي.

[10] في نسخة: حلابة!

[11] في نسخة: قبرس.

[12] (من) غير موجودة في نسخة.

[13] يقصد: التلمساني عالم مملكة التكرور.

[14] في نسخة: صحبة.

[15] (لوحًا) سقطت من نسخة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت