سلسلة إتحاف الأماجد، بنفائس المنظومات والأراجيز والقصائد (21)
منظومة:
النهْر، لمَن برز على شاطئ النهْر
للعلامة جلال الدين السيوطي
ت 911 هـ - رحمه الله
ضبط: محمد بن أحمد بن محمود آل رحاب
غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين
بدَأتُ ببِسمِ اللهِ في النَّظمِ للشِّعرِ
وأُثْني بحمدِ الله في السرِّ والجَهرِ
وصلَّى إلهُ العرش ما ذُكِر اسمُه
على المصطفى المبعوثِ للسُّودِ والحُمْرِ
وهاتيكَ أبياتًا يُضاهَى قريضُها
إذا ما رأى الرَّاؤون بالكوكبِ الدرِّي
فمُسندُه لابنِ الفُراتِ عذوبةٌ
وبهجتُه الزهراءُ تُعزى إلى الزُّهري
وألفاظُه تَحكي عن الماء رِقَّةً
وفيه معانٍ كلُّها عن أبي بَحرِ
شَذاه إلى الآفاق طار، فعَرْفُه
وتحليقه في الجو كالوَرد والنَّسرِ
وذلك في حُكمٍ مِن الشرع بيِّنٍ
يفوق السَّنا البدريَّ في ليلة البدرِ
به قال أصحابُ المذاهبِ كلُّهم
وكلُّ أمام قدوةٍ عالم حَبرِ
لقد عمَّتِ البلوى بأمرٍ مُحَرَّم ٍ
وظَن مباحًا ذاك كلُّ امرئٍ غُمْرِ
ففي"روضة المقياس" [1] جار بروزُ مَن
أراد بأن يسطو على البرِّ والبحرِ
أتى في حريم النَّهر بعضُ بروزِه
وسائره قد حلَّ في بقعة النهر
وما قال هذا قطُّ في الدهر عالمٌ
ولم يستبِحْهُ في القديم أولو الخُبْرِ
وأعظمُ مِن ذا في البلية مَن عزا
إباحته للشافعيَّة بالقَسرِ
وما قال هذا الشافعيُّ وصحبُه
ولا أحدٌ مِن قبلُ أو بعدِه يَدري
يمينًا وفجرٍ والليالي بعَشرها
وشفعٍ ووترٍ ثم ليلٍ إذا يَسري
بل النصُّ في كُتْب الإمام وصحبِه
بأنَّ حريم البحرِ والنهرِ إذْ يجري
كِلا ذَينِ لا مُلكٌ عليه يحوزُه
وأنَّ بناء الناس فيه أخو حَظرِ
ولا جاز إقطاعٌ لديه ولا انزوى
إلى مُلكِ بيت المال بيعًا لِمَن يشري
ومَن فيه يَبني فليُهَدَّ بناؤه
ونَنسِفه في اليمِّ نسفًا على قدْرِ
وفي حسرةٍ يمشي على فقد جَسرِه
وفي خُسره أضحى إلى حشره يجري
وأما قديمًا قد رأينا مؤصلًا
على نمط الجيران في السَّمت للجَدْرِ
فذلك نُبقيه [2] ونولي احترامَه
لوضع بحقٍّ سابق غير ذي خَتْرِ
ومن رام نقلًا يستفيدُ بعَزوِه
ليَحكي نصوصَ العلم إنْ حلَّ في صدرِ
ففي"الأم"نص الشافعيُّ إمامنا
و"مختصرٍ"عالي الذُّرى ساميَ القدرِ
و"تعليقةِ"القاضي الحسين وغيره
و"كافي"الخُوارَزميِّ ذي الفضل والذِّكر
و"تهذيب"محيي السُّنة البغَويِّ مَعْ
نقولِ كثيرٍ قد تجلى عن الحصرِ
وفي"الشرح"نص الشافعي و"روضةِ"النْ
نَواويِّ [3] حيَّا قبرَه وابلُ القطرِ
كذا في"فتاوى"ابنِ الصلاح بيانُه
وناهيك بالحبرِ النقيِّ عن الإصرِ
وسار عليه في"الكفاية"نجمُنا
أجلُّ ففيه جاء إذ ذاك مِن مصرِ
وأوضحَه في"الابتهاج"وغيره ال
إمامُ التقي السُّبكيُّ بالبَسطِ والنشرِ
وفيهِ عن القفال لو رام نخلةً
ليَغرس بالشاطي منَعناه بالقهرِ
وبيَّن ذاك الزركشيُّ بشرحه
ومن بعد في الشرح الدَّميريِّ ذي الفخرِ
وبيّنه الغزيُّ في"أدب القضا [4] "
فخُذها نقولًا من بحارِ أُولي درِّ
وخذ عن نقول المالكية مسندًا
لكل إمامٍ منهمُ عالمٍ حبرِ
وفي"مدخل"ابن الحاجِ أعظمَ بسطَه
وبيَّن ما فيه من الإثمِ والضرِّ
وحدُّ حريم النهر: ألفُ ذراعه
وذلك أعلى الحدِّ في حرَم النهرِ
وأما النقولُ المستفيضة عن أبي
حنيفةَ في هذا فأوفى من البحرِ
وحدُّوا حريمَ العين من كل جانبٍ
بخمس مِئي [5] مِن أذرعٍ هي ذو كَسرِ
وأما نُقولٌ لابنِ حنبلَ جمَّةٌ
وناهيك ب"المُغني"فكن فيه ذا ذُكرِ
ومذهبه في الجَزر أضيقُ مذهب ٍ
لنصٍّ له أنْ ليس يُبنى على جَزرِ
ومذهبنا في ذاك أفسحُ مذهبٍ
لأنَّهمُ قاسوا الحريم على البئرِ
وأدنى حريمِ البئر قد قيل: خمسةٌ
وعِشرون ذرعًا من ذراعِ أولى الشبرِ
وكل مكان عمَّه في زيادة
من الماء معدودٌ من الأرض للنهرِ
وضابطه: ما بين سطحَين حفرة
إذِ النهر مردود إلى مادَةِ الحفرِ
فحُفرة مجرى الماء نهرٌ ومبدأُ ال
حريم من التسطيح قدرًا على قدرِ
ومَن رام في هذا البناءَ فإنه
أضرَّ على المارِينَ [6] في البحر والبرِّ
يُقيم به في أكثر العام ماؤُه
فلا يجد المارُون [7] طُرْقًا إلى المرِّ
ومِن ههنا معْ ههنا كلُّ سالكٍ
يمر، وهذا البرز كالطَّود في البحرِ
وليس بها من يَقْطع الطرْقَ غيره
فلله ممن يقطعُ الطرق في الظهرِ
وقد صحَّ في الآثار تطويقُ سبعةٍ
أراضٍ لمن يَجني من الأرض كالشبرِ
وقد صح أيضًا لعْنُه وانخسافُه
إلى الأرَضينَ السبعِ في موقف الحشرِ
فمن رام معْ هذا الوعيدِ بروزَه
ففي العصرِ إنَّ المعتدين لفي خُسرِ
وألَّفتُ في منع البروز بشاطئٍ
على النهر تأليفًا أسمِّيه ب"الجهر" [8]
تضمَّن مِن هذي النقولِ عيونَها
وأوضحْتُ فيه [9] ما تفرَّق في السفرِ
وقد صبَّ حكم الشرع بالمنع حاكمٌ
على كل ما رام البروزَ على النهرِ
لزومًا لمنعٍ في العموم لكلِّ مَن
أراد بروزًا في الحريم مدى الدهرِ
وهذا صحيحٌ نافذٌ يستمرُّ لا
يُشانُ بإفسادٍ ونقضٍ ولا كسرِ
وقد حكَم السبكيُّ فيه نظيرَه
وألَّف تأليفًا له عاليَ القدرِ
ومن لم يُطع حُكم الشريعة ردَّه
إليها برغمٍ راغم سطوةُ القهر
مِن الْمَلِك الحامي زمام شريعةٍ
فأيده الرحمنُ بالعز والنصرِ
ونختم هذا النظم بالحمد دائمًا
لربِّ العلا المختصِّ بالحمد والشكرِ
ونُثني على الهادي بخير صلاته
وتسليمه فَهْو [10] الْمُشفَّع في الحشرِ
وآلٍ له خُصُّوا بكل مزيةٍ
وأصحابه الزاكينَ والأنجُم الزُّهْرِ
ونُتْبع هذا بالرضا عن أئمةٍ
همُ قدوةٌ للخلق في كل ما عصرِ
إماميَ - أعني: الشافعيَّ - ومالكٌ
وأحمدُ والنُّعمانُ كلٌّ ذَوو قدرِ
وسمَّيتُ هذا النظم ب"النهر"زاجرًا
لِمَن رام أن يبنيْ [11] على شاطئ النهرِ
فموضوعه بحرٌ، وبحرٌ علومُه
وعِدَّتُه سبعون بيتًا على بحْرِ
[1] للعلامة السيوطي كتاب حافل سماه"كوكب الروضة"في تاريخ روضة المقياس، ومدحها وما يتعلَّق بها، وله طبعتان، وقد أورد فيه هذه المنظومة كاملة.
[2] بصلة الهاء لأجل الوزن.
[3] يقال في النسبة إلى نوى: نووي ونواوي، ومراعاة للنسبة الثانية سمَّى العلامة السيوطي كتابه:"تدريب الراوي، في شرح تقريب النواوي".
[4] بالقصر لغة.
[5] الأصل: مئين فحذف النون اكتفاء لأجل الوزن.
[6] بتخفيف الراء لأجل الوزن.
[7] بتخفيف الراء لأجل الوزن.
[8] واسمه كاملًا:"الجهر، بمنع البروز على شاطئ النهر"، وقد أورده كاملًا في"الحاوي للفتاوي"، وأورد في ختامه هذه المنظومة كاملة، وكذا أودع هذا التأليف كاملًا في كتابه"كوكب الروضة".
[9] بصلة الهاء.
[10] بسكون الهاء لغةً.
[11] بإسكان الياء مراعاة الوزن.