فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 173

حتى صار رمادًا، أنقول إن كلام الله القديم احترق وانعدم؟ أم نقول إن كلامه باق ثابت لم يحترق ولم ينعدم، وإنما احترق الورق، والحروف المصورة بلا خلاف بين كل عاقل.

دليل آخر على حدث الحروف: وهو أن الأمة مجمعة على أن من قرأ كلام الله تعالى في صلاته لم تبطل صلاته، ولا خلاف أن من قرأ حروف التهجي في صلاته بطلت صلاته، فعلم بذلك أنها ليست بكلام الله تعالى.

دليل آخر على ذلك: وهو أن من قرأ القرآن وهو جنب أو امرأة حائض مع علمها بتحريم ذلك أنهما قد عصيا وفعلا ما لا يجوز لهما، ولو تهجى الجنب والحائض حروف الهجاء من أولها إلى آخرها لم يعصيا بذلك، فعلم بذلك أن الحروف غير كلام الله تعالى، وإنما هي آلة يكتب بها كلام الله تعالى ويتلى بها كلامه، وليست نفس كلامه. ويدل على ذلك أيضًا ما روى علي رضي الله عنه أنه قال في جواب مسائل سأله عنها اليهود فقال: إن الله تعالى كلم موسى عليه السلام بلا جوارح، ولا أدوات، ولا حروف، ولا شفة، ولا لهوات، سبحانه عن تكيف الصفات. وأيضًا ما روى عن علي عليه السلام أنه سئل هل رأيت ربك؟ وكان السائل له دعبل فقال في جوابه: لم أعبد ربًا لم أره. فقال له كيف رأيته؟ قال: لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، بل رأته القلوب بحقائق الإيمان، ويحك يا دعبل! إن ربي لا يوصف بالبعد وهو قريب ولا بالحركة، ولا بقيام، ولا انتصاب، ولا مجئ، ولا ذهاب، كبير الكبراء لا يوصف بالكبر، جليل الأجلاء لا يوصف بالغلظ، رؤوف رحيم لا يوصف بالرقة، آمر لا بحروف، قائل لا بألفاظ، فوق كل شيء ولا يقال شيء تحته، وخلف كل شيء، ولا يقال شيء قدامه، وأمام كل شيء، ولا يقال له أمام، وهو في الأشياء غير ممازج ولا خارج منها كشيء من شيء خارج،"تبارك اللّه رب العالمين"لو كان على شيء لكان محمولًا، ولو كان في شيء لكان محصورًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت