النشأة أهون من الإعادة، فذكر ذلك على سبيل الرد عليهم والإنكار لقولهم إن معه خالقًا غيره، لا أنه أثبت معه خالقًا غيره.
جواب آخر: وذلك أن لفظة أفعل في كلام العرب: يراد بها إثبات الحكم لأحد المذكورين وسلبه الآخر من كل وجه، وذلك في قوله تعالى:"أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا"فأثبت حسن المقيل لأهل الجنة، مع حسن المستقر، وسلب ذلك عن أهل النار أصلًا ورأسًا، لأن أهل النار ليس لهم حسن مستقر ولا حسن مقيل، فكذلك قوله تعالى:"أحسن الخالقين"أثبت الخلق له وأنه هو المنفرد به دون غيره. وكذلك يقول القائل: العسل أحلى من الخل لا يريد أن للخل حلاوة بوجه، بل يريد إثبات الحلاوة للعسل وسلبها عن الخل أصلًا، ورأسًا، فكذلك قوله"أحسن الخالقين"أثبت الخلق له دون غيره.
فإن احتجوا بقوله تعالى:"ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت"فكيف يجوز أن يكون خالقًا لكفر الكافرين، وعصيان العاصين، وفيه من التفاوت غير قليل.
فالجواب: أن هذا سوء فهم، وذلك أن هذا أراد به سبحانه وتعالى خلق السموات في الصورة، وأنه ليس فيها فطور ولا شقوق، أجمع المفسرون على ذلك، فلا حجة لكم فيها، ثم إن أول الآية حجة عليكم، لأنه قال:"خلق الموت والحياة"وبين الموت والحياة تفاوت، وهو خالق الجميع لا خالق لذلك غيره، فكذلك كفر الكافرين وإيمان المؤمنين وإن كان بينهما تفاوت في الحكم فليس بينهما تفاوت في الإيجاد والاختراع وإحكام الخلق، فصح أن الآية حجة عليهم لا لهم.
فإن احتجوا بقوله تعالى:"فوكزه موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان"فلو كان الله الخالق لوكزة موسى لقال: هذا من عمل الرحمن، الجواب من وجهين