فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 173

كل شيء"يعني مما يصح فيه الخلق والحدث، وصفات ذاته قديمة بقدمه وموجودة بوجوده، فلم تدخل في ذلك. ومثل هذا في القرآن كثير، فإن الله تعالى قال فيما أخبر به عن داود وسليمان عليهما السلام:"يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء"ولم يؤتيا سماء ولا أرضًا، ولا شمسًا ولا قمرًا ولا جنة، ولا نارًا، ولا ملائكة، ولا عرشًا، ولا غير ذلك، وإنما أراد أوتينا من كل شيء ينبغي لمثلنا. وكذلك قوله في قصة بلقيس:"وأوتيت من كل شيء": ومعلوم أنها لم تؤت النبوة، ولا تسخير طير، إلى غير ذلك؛ إنما أراد به الخصوص دون العموم، لأنها ما دمرت هودًا، ولا السماء، ولا الملائكة، ولا الجبال، إلى غير ذلك."

قال الشريف الأجل جمال الإسلام: ووقع لي جواب أخصر من هذا وأجود إن شاء الله وهو: أن يقول: الآية حجة عليكم، وأن القرآن ليس بمخلوق، وذلك أنه سبحانه وتعالى أفرد الخالق من المخلوق، فسمى نفسه خالقًا، وسمى كل شيء دونه مخلوقًا، فالخالق بجميع صفات الذات، غير مخلوق، لأن الاسم هو المسمى، على ما قررنا، وهذا صحيح، لأن الخالق هو الله العالم، القادر، المريد، المتكلم، وكلامه هو القرآن، فدل على أنه غير مخلوق، ولا داخل في الأشياء المخلوقة، والذي يفهم من ذلك؛ فإن كان عاقل يعلم أنه يصنع كل شيء غير ذاته بصفاتها من قدرته، وحياته، وعلمه، وكلامه. وكذلك إذا قيل آخذ الملك اليوم كل أحد، وصغر كل صفه وحقرها ومعلوم أن ذاته ما دخلت في المفعولين ولا دخلت صفاته في التحقير والتصغير فكذلك قوله:"اللّه خالق كل شيء"يعني غير ذاته. وذاته قديمة غير مخلوقة بجميع صفاتها، فصح أن الآية حجة عليهم لا لهم.

فإن احتجوا بقوله تعالى:"ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث"فوصفه بالحدث والحدث هو الخلق الجواب من ثلاثة أوجه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت