وكذلك أيضًا قال:"وما أمر فرعون برشيد"يعني شأنه وأفعاله وطرائقه، ولم يرد قوله وهذا بمنزلة قول القائل:
فقلت لها أمري إلى اللّه كله ... وإني إليه في الإياب لراجع
يعني سري وأفعالي، ولم يرد بذلك الأمر من القول، وجمع هذا أمور، وجمع الأمر من القول الأوامر، ولولا عجزهم وجهلهم لم يلجئوا إلى مثل هذا التمويه على العوام والجهال مثلهم.
ولو نظروا إلى قوله تعالى:"وأفوض أمري إلى اللّه"تعالى أنه أراد أفعالي وأموري، دون أمره الذي هو قوله:"حتى يتبين لهم أنه الحق"ورجعوا إليه.
فإن احتجوا بقوله تعالى:"إنا جعلناه قرآنًا عربيًا"والمجعول مخلوق، بدليل قوله تعالى:"وجعلنا من الماء كل شيء حي"أي خلقنا؛ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن معنى ذلك: إنما سميناه قرآنًا عربيًا، والجعل يكون بمعنى التسمية، بدليل قوله عز وجل:"الذين جعلوا القرآن عضين"يعني سموه؛ فبعضهم سماه شعرًا، وبعضهم سحرًا. وبعضهم كهانة، إلى غير ذلك. ولم يرد أنهم خلقوه. وكذلك قوله تعالى:"وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون"يعني سموهم وحكموا عليهم بذلك، ولم يرد أنهم خلقوهم. وكذلك قوله تعالى:"وجعلوا للّه أندادًا"يعني سموا. وكذلك قوله تعالى:"ما جعل اللّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على اللّه الكذب وأكثرهم لا يعقلون"وفي القرآن مثل هذا كثير.
الجواب الثاني: أنه أراد: إنا جعلنا قراءته وتلاوته بلسان العرب، وأفهمنا أحكامه. والمراد به باللسان العربي، وتكون الفائدة في ذلك الفرق