فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 173

بينه وبين التوراة والإنجيل، لأنه جعل تلاوة الكتابين المذكورين وإفهام أحكامهما باللسان العبراني والسرياني، وجعل تلاوة هذا الكتاب وإفهام أحكامه والمراد به بلسان العرب، ولو عرفوا الفرق بين التلاوة والمتلو لم يموهوا بمثل هذا التمويه.

والجواب الثالث: أن الجعل إذا عدي إلى مفعول واحد كان ظاهره الخلق، وإذا عدي إلى مفعولين كان ظاهره الحكم والتسمية، في أكثر الاستعمال. ولذلك لا يجوز أن يقول القائل: جعلت النجم والرجل، ويسكت حتى يصله بقوله: جعلت النجم هاديًا ودليلًا، وجعلت الرجل صديقًا وصاحبًا. فلما قال الله تعالى:"إنا جعلناه قرآنًا عربيًا"تعدى إلى مفعولين، فيكون بمعنى الحكم والتسمية.

فإن احتجوا بقوله تعالى:"وإذا بدلنا آية مكان آية"وقالوا: ما يغير ويبدل فهو مخلوق لا محالة، قلنا: هذا جهل منكم أيضًا، وذلك أن التبديل والنسخ إنما يكون ويتصور في الرسم من خط أو تلاوة؛ أو في حكم، فيكون تقدير الكلام: وإذا بدلنا حكم آية أو تلاوة آية، دون المتلو القديم الذي لا يتصور عليه تبديل ولا تغيير، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى وأخبر أن كلامه القديم لا يغير ولا يبدل.

دليل الأول: قوله تعالى:"وإذا بدلنا آية مكان آية"يعني حكم آية أو تلاوتها.

ودليل الثاني: قوله تعالى:"ولا مبدل لكلمات اللّه"وقوله تعالى"لا مبدل لكلماته"فأخبر تعالى أن التبديل يتصور في أحكام كلامه وتلاوة كلامه، دون كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته، ولو حققوا الفرق بين التلاوة والمتلو سلموا وجميع من وافقهم من الجهال الذين سلموا لهم وفق مذهبهم من خلق القرآن معنى، ومنعوه نطقًا، نعوذ بالله من الجهل. وسنبين هذا الأمر إن شاء الله على الاستيفاء بالكمال، في مسألة الفرق بين التلاوة والمتلو، والقراءة والمقروء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت