فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 173

فإن احتجوا بقوله تعالى:"ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك"وقالوا: ما جاز عليه الذهاب والعدم فإنه مخلوق.

فالجواب عن هذا السؤال مثل الجواب المتقدم؛ لأن الذهاب والعدم إنما يكون في الحفظ والرسم، دون المحفوظ الذي هو كلام الله تعالى. ويدل على هذا: أن ابن مسعود رضي الله عنه لما قال: استكثروا من قراءة القرآن قبل أن يرفع. فقيل له: كيف يرفع وقد حفظناه في صدورنا وأثبتناه في مصاحفنا؟. فقال: يسري عليه فيذهب حفظه من الصدور، ورسمه من المصاحف.

وهذا صحيح، لأن حفظ المخلوق مخلوق مثله، وحفظه مخلوق مثله، فيتصور عليه الذهاب والعدم بالنسيان والمحو. وأما المحفوظ والمكتوب الذي هو كلامه القديم، فلا يتصور عليه ذلك. فاعلم ذلك وتحققه.

فإن احتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم قالوا: وما جاز أن ينتقل ويتحول ويسافر به فهو مخلوق. قلنا: كم هذا التمويه الذي تشبهون به على العوام وجهال الناس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بهذا الكلام حمل المصحف الذي فيه كلام الله مكتوب، ولم يرد بذلك نفس كلامه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته، وقد قرنه صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن المراد به المصحف دون غيره؛ ألا تراه قال: مخافة أن تناله أيديهم ومعلوم أن الذي تناله أيديهم إنما هو المصحف دون غيره، وقد بين عليه السلام ذلك في حديث آخر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر يريد بذلك الصحف التي يكتب فيها القرآن، دون نفس القرآن الذي هو كلام اله تعالى، لأنه صفة من صفات ذاته، ولا يتصور على صفات ذاته اللمس ونيل الأذى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت