فمن ذلك: ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل فقرأ يخفض طورًا ويرفع طورًا. وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها نعتت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفًا حرفًا، فموضع الدليل من هذين الخبرين أنهما أضافا القراءة إليه صلى الله عليه وسلم، وأضافا الخفض والرفع بتفسير الحروف حرفًا حرفًا إلى قراءة القارئ لا إلى كلام الباري، وكل حديث أذكره لك بعد هذين الحديثين فتأمله؛ فإني أذكرها سردًا إن شاء الله، فتجد في كل حديث ما يدلك على صحة ما أقول، وهو: إضافة الصوت، والحرف إلى قراءة القارئ لا إلى كلام الباري القديم الأزلي.
فيدل على صحة ذلك ما روى عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته آية آية، ولو شاء العاد أن يعدها أحصاها. وهذا يدلك على أن القراءة تنعد وتنحصر، والمقروء القديم لا ينعد ولا ينحصر فافهم ذلك.
ويدل على ذلك أيضًا ما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقرآن؟ قالت: ربما رفع وربما خفض.
ويدل عليه أيضًا ما روى عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه.
ويدل عليه أيضًا ما روى عن أنس أنه قال: ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه، وحسن الصوت وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم حسن الوجه وحسن الصوت إلا أنه كان لا يرجع. وأيضًا ما روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: مالك إذا قرأت لا ترفع صوتك قال: إني أسمع من أناجي. وقال لعمر: مالك إذا قرأت ترفع صوتك جدًا قال أوقظ الوسنان وأنفر الشيطان. وقال لعمار: مالك إذا قرأت تأخذ من هذه السورة ومن هذه السورة؟ فقال: سمعتني أخلط به ما ليس منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكله طيب فموضع الدليل: أن الرسول عليه السلام أضاف قراءة كل واحد وصوته إليه، وذكر أنها قراءة