ولا شيء من الموجودات يوجد وحده بعد أن كان معدوما، فإذن كل ما كان معدوما ثم وجد فلا بد من موجد أوجده.
فإذا تبين لنا أن العالم كان معدوما، ثم وجد، لم يبق معنا شك أن غيره أوجد، وذلك الغير هو الله تعالى، إذ لا نعني بالإله إلا من أوجد العالم.
فإن قلت: وأين الدليل على أن العالم كان معدوما ثم وجد؟ ولعله ما كان قط معدوما وما زال موجودا.
قلت: هذه مسألة تحتاج إلى التبيين الجلي، ونحن نبينها إن شاء الله بيانا شافيا بألفاظ وتمثيلات نقصد بها التقريب لأفهام المبتدئين، فلذلك وضعنا هذا الكتاب لا للمنتهين، فما تراه في عبارة هذا الكتاب من رطوبة فسببه قصد التقريب للأفهاز.
[تعريف العديم والحادث]
فنقول:
اعلم أولا إنا متى ذكرنا لفظ (( القديم ) )فنعني به: الموجود الذي لا أول لوجوده ولا كان قط معدوما.
ومتى ذكرنا لفظ (( الحادث ) )فنعني به: الموجود الذي كان في أول أمره معدوما ثم صار موجودا.
فلنرجع إلى الدليل، فنقول: لا شك أنا إذا رأينا شيئين متلازمين لا يمكن أن يفارق أحدهما الآخر بوجه، وعلمنا أن أحدهما حادث، فإنا نقطع أن الآخر حادث؛ إذ لو كان قديما لكان وجوده سابقا على وجود ذلك