أن كل جزء من أجزائها حادث، ولا يلزم من حدوث الجملة حدوث كل جزء من أجزائها؛ فنقول لهم: أجزاء الجسم هي الجواهر الأفراد، ولا يعقل للجسم أجزاء غيرها، وقد بينا حدوثها.
قالوا: ليس أجزاء الجسم الجواهر الأفراد، قالوا: وما وجد قط الجوهر الفرد الذي لا ينقسم، بل كل جزء من أجزاء الجسم ينقسم، وجزء ذلك الجزء ينقسم، وجزء جزئه ينقسم، وكذلك قالوا: لا يزال ينقسم أبدا لغير نهاية، فليس ثم جوهر فرد. قالوا: وإنما تركب الجسم من صورته التي هو عليها من كونه كرة أو مضلعا أو غير ذلك، ومن شيء آخر سموه الهيولي، وزعموا-تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا-أن ذلك الجزء المسمى بالهيولي هو القديم، وأن الجزء الذي هو الصورة حادث بشخصه قديم بنوعه.
[الدليل العقلي على وجود الجوهر الفرد]
فلهذا رد صاحب الكتاب عليهم بقوله: (( والدليل على ثبوت الجواهر ) )، أي: والدليل على وجود الجواهر الفردة، أن الأجسام تنقهي بالنسبة إلى حد لا يمكن أن ينقسم لكونه واحدا غير مركب، والقسمة إنما حقيقتها الافتراق، والواحد لا افتراق فيه لأنه لا يفارق شيء نفسه.
ومما يدل على وجود الجوهر الفرد أن الدرهم-مثلا-لو قبل القسمة لا إلى نهاية لكان فيه من الأجزاء ما لا يتناهى، ويلزم أن يكون منحصرا بين طرفيه من الأجزاء ما لا يتناهى، لكن أطبق العقلاء على أن انحصار ما لا نهاية له بين حاصرين محال.