يتساويا، وكل ما دخله المساواة والمفاضلة فقد دخلته الكمية، وكل ما دخلته الكمية استحالة مفارقته لها؛ لأنه إما مساو لغيره أو أعظم أو أصغر، وكل ما لا يفارق الكمية لم يفارق الحوادث؛ لأن الكمية عرض، فهي حادثة، وكل ما لا يفارق الحوادث فهو حادث كما مر.
وبهذا تعلم أنه سبحانه ليس على العرش ولا في مكان؛ لأنه لو كان على العرش أو غيره لحاذاه؛ وأن معنى قوله تعالى: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] أي ملكه؛ إذ كل شيء ملكه سبحانه، ولا بعد في إطلاق الاستواء بمعنى الملك والسلطان؛ قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
وأما السواد التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أين الله؟ ) )فأشارت في السماء، ثم قال عليه السلام: (( [إنها] مؤمنة ) )؛ فإنما ذلك-قيل-لأنها كانت خرساء، وإنما سألها صلى الله عليه وسلم ليراها هل هي ممن تعبد الصنم فتشير إلى البيت الذي به الأصنام أن لا، فلما لم تشر لبيت الأصنام علم أنها ليست مشركة.
وإشارتها إلى السماء، فلأن السماء أعلى ما تراه حسا، وهو سبحانه الأعلى معنى، قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، فعبرت عن العلو المعنوي بالعلو الحسي مجازا لما لم يمكنها التعبير باللسان لخرسها، وتعذرت عليها الإشارة لغير جهة فاختارت أعلى الجهات.
وأما ما ثبت من رفع الرأس عند الدعاء، فلأن الشرع جعل السماء قبلة